رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
أستمارة المكافأت التشجيعية 2021 لنقابة الصحفيين العراقيين AlzawraaPaper.com استبعدت تشريعه قريبا لتزامنه مع قرب الانتخابات ..لجان نيابية: مشروع قانون لتأسيس صندوق استثمار وطني سيعرض في الدورة المقبلة AlzawraaPaper.com القانونية النيابية: تسليم بغداد 200 مليار دينار شهريا لأربيل مخالفة دستورية ..حكومة الإقليم لـ"الزوراء": ملتزمون ببنود موازنة 2021 ولا مانع لدينا من تسليم إيراداتنا للمركز AlzawraaPaper.com وزير الداخلية السعودي: استقرار العراق سينعكس إيجاباً على المملكة ..الكاظمي والحلبوسي يؤكدان أهمية تطوير العلاقات بين بغداد والرياض وضبط الحدود بين البلدين AlzawraaPaper.com إقرأ غدا في «الزوراء».. AlzawraaPaper.com أمير دولة قطر يثمن الجهود المبذولة في إرساء الاستقرار في العراق - وزير الخارجية الإيراني: 13 مليار دولار حجم التبادل التجاري مع العراق..وزير خارجية السعودية: نشدد على ضرورة احترام سيادة العراق وعدم التدخل في شؤونه..الكاظمي: لا عودة للعلاقات المتوترة والحر AlzawraaPaper.com أكدت أن مبادرة «داري» ستسهم بحل أزمة السكن ..الخدمات النيابية لـ"الزوراء": مستثمرو المجمعات السكنية رفعوا أسعار الوحدات إلى الضعف وعلى الحكومة التدخل AlzawraaPaper.com
النصُّ بينَ زيِّ الشِّعرِ وأزياء الشعريّة


المشاهدات 1021
تاريخ الإضافة 2021/09/14 - 6:13 PM
آخر تحديث 2021/09/17 - 1:05 AM

د. صباح التميمي
ثمةَ تباينٌ حادٌّ في طبيعة التكوّن والنمو والتأطير الجنسي بين (الشعر) بوصفه زيّاً رسميّاً لا يُمكن خرق برتوكولاته في الثقافة العربيّة، وبين (الشعرية) بوصفها مقولة دبلوماسية تتمتّع بمساحة انفتاح وحرية رحبة، فالأوّل – والحديث هنا عن النص الشعري العربي – لا يتقبّل الاستبدالات والتحوّلات الجذرية بسهولة؛ لأنّه مؤسّسٌ على قاعدة صُلبة تجذّرت أساساتها عميقًا في منظومة العقل الجمعي العربي المعياري الذي لا يُغادر الموروث بيُسر؛ لذا فهو عند الشاعر العربي ((يجري على اللسان كما يجري فرس الرِّهان)) مثلما قال أبو عثمان – رحمه الله -، ومن ذاكَ صارَ جموحاً، لا يثني رأسَه لكلّ راكب، في حين تُمَثِّلُ الأخرى – أعني الشعرية – صورةً لبعض ما تسرّب إلينا من ثقافة الآخر الغربي مع موضات المصطلح وأزيائه، التي وصلت إلينا مُعلّبةً من (بَرَّادَات) الثقافة الأدبية الغربية بلا مواد حافظة، لكنّها – مع ذلك – تصلُح – بمفهومها العام - للتناول بعدِّها طبقاً مفيداً لبعض النصوص المفتوحة العصيّة على مقاييس الجودة المعيارية العربية أو ما يُمكن أن أُسمّيه بـ(الآيزو الشعري) .
ربّما أريد أن ألفت النظر في هذا المدخل المُريب - تقريباً – إلى مسألة محو الهوية الأجناسية التي تقترفها بعض النصوص، حين تمارس لعبة تكوينها خارج أسوار مضمار (الشعر العربي)، بحركة (ردة فعل) فنّية، تُغَيِّبُ فيها هُويّتَها وملامحَها الجمالية مع سبق الإصرار، وتصبح هلامية، أو تقترب من (التخنيث) فتجمع بين ذكورية الشعر وأنوثية النثر، بلا مبالاة مُتعمّدة، وهذا – في الحقيقة - لونٌ من ألوان الحرية والتمرّد، الذي يخرج بالتجربة من القيد إلى كسر القيد، ومن الفضاء المكاني الضيّق إلى فضاءات الرحابة، وهي ممارسات دشنتها نماذجُ (قصيدة النثر) المُبكِّرَة كما هو معلوم عند المَعْنِيين.
وما يعنيني هنا، هو أن ينتهزَ ممارسُ هذا النمط من النصوص فرصة ضعف الرقابة الصحّية الأجناسية، فيحاول ممارسة (كتابة الجمال) دون افتعال ضجّة فنيّة، فلِمَ تُلبِسُ نصوصَكَ زيَّ الشعرِ عنوة، ولِمَ تخلعُ عليها أسماءً سمَّيتها أنتَ وآباؤكَ ما أنزلَ الشعرُ بها من سلطان، والأحرى بكَ والأجدى أن تُدخلَها صرحاً ممرّدا من (شعرية) لا تخف منه ولا تدّعيه، ولا تكشف عن ساقها فيه، بل تطفو هناك في فضاء رحب لا تجوع فيه ولا تعرى .
ولا يذهبنّ بك الظن بأني – في مقامي هذا – أحاولُ أن أنتقصَ من التجارب الجادة في هذا النمط الكتابي، بل على عكسِ ظنِّك تماماً، أسعى سعياً حثيثاً، إلى أن تسيرَ مع ركب ثقافتنا وعاداتنا الفنيّة – وإن لبست أزياء مستوردة - ؛ فتكون في مكانها الصحيح، وتخلعُ ثوبَ الأضداد .
إنّ (الشعرية) – وأنا هنا أتبنّى فهمَ أُستاذِ أساتيذِنا العراقي الراحل الدكتور أحمد مطلوب رحمه الله – هي في حقيقتها شعورٌ بالجمال وإحساس بعمقه حين يتخلّل أوردة العواطف ويلمس شغاف الروح، أو هي – كما يقول رحمه الله – ((الطاقة المُتَفَجّرَة في الكلام المتميّز بقدرته على الانزياح، والتفرّد، وخلق حالة من التوتّر))، فأنتَ تتوتّرُ – مثلي أو ربما لا - حين تقرأ عنوانَ نصٍّ للراحلِ الشاعر العراقي (مروان عادل حمزة) يُسمّيه : (إذ تخلعُ الأرصفةُ ضِرساً آخر)، وهو من العناوين المرتكزة على آلية الانزياح الدلالي التي تُضفي عليه أبعادًا شاعريةً خياليةً تجعلُه ينزاح بعيدًا عن التقريرية والمباشرة، وهو عنوان علامي بارز يؤشّر – منذ البداية – الثيمة المركزية التي تقومُ عليها دلالة النص من خلال الدوال المشكّلة لمركزية هذه الدلالة في العنوان وهي : (الخلع، الضرس، الأرصفة)، فدال (الخلع) يحيل على مداليل : (الموت، الفناء، السقوط، الأخذ عنوة ...) ، ودال الضرس يحيل على (الشخص الكبير صاحب المنزلة العالية في الوسط الذي يعيش فيه ) بحسب السياقات الاجتماعية العراقية، فحين يتوفّى اللهُ شيخَ عشيرة ما أو أحد أفرادها المعوّل عليهم كثيرا في أمورها، تقول الناس : (مات لهم ضرس) كناية عن عظيم مكانته بين أفراد العشيرة، وأما دال (الأرصفة) فهو مؤشّر علامي شكّل بؤرة الفاعلية المهيمنة في تركيب العنوان وهو معادل موضوعي للـ(ضياع، التشتّت، العوز، الغربة...)، وحين تجتمع كلُّ هذه الدوال لتشكّل الدلالة العامة في العنوان؛ يصبح موجّها موازيا يدلّ المتلقي – بوساطة أنظمة العلامات فيه – على بؤرة الدلالة في المتن الشعري، ولاسيما حين يُلتَفَت إلى عنصر موازٍ آخر تعاضد مع العنوان لإنتاج الدلالة المُرَمَّزة الدالة على ثيمة النص الرئيسية، وهو عنصر (الإهداء) الذي وجّهه الشاعر لشخصية مثقّفة تمثّلت بالشاعر المغترب (هادي السيّد).
وفي ضوء كلّ هذه المعطيات المستحصلة من دوال العنوان، والإهداء، يتّضح أن (الضرس) الذي تعرّض للخلع = (الموت) هو (هادي السيّد)، وأنّ الثيمة المركزية في العنوان تدور على تأبينه ورثائه بعد رحيله، ويتجلّى هذا في النص ومنه قوله: 
الذين
تنامُ تحتَهم الأرصفةُ عرائسَ من كونكريت مؤنّث
هاربين من أحضان عارضات أزياء السياسة ...
لأحضان شوارع باردة ....
متكوّرين على حافَّات ملامحِهم
تتساقطُ عنهم علاماتُهم الفارقة
رؤوسهم عجلاتٌ لمدارس أدبية...
مراكزُ لأكوان بلا إله...
ليس لقمرٍ أن يدّعي سقفاً عليهم
ولا أكتمُ الوطنَ كُرهاً
لفكرةِ أنْ تغلِّفَهم أخيراً
قشرتُه الجاحدة.
فالنص – هنا – يضجّ بشعرية المجاز المتأتّي من صوغ الجمل بطريقة محترفة، وهو يحيلنا مباشرة على الضياع الجمعي الذي يظهر في ضمائر الجمع المستعملة (هم)، التي تختزن معاني التشتّت والغربة والعوز والفاقة التي عانى منها – على نحو جماعي - أدباءٌ ومثقفون عراقيون كُثر ومنهم (هادي السيّد) الذي قضى نحبه مغترباً ضائعاً، وهنا تتجلى أواصرُ الترابط، وتتكشّف قوّتها، بين العنوان والنص من خلال شبكة الدوال المشتركة بين المُكَوِّنَيْن: (العنوان ونصّه) . 
إلى هنا نتساءل : هل توترتَ الآن؟ هل شعرتَ بما كان يشعر به مروان – رحمه الله – ؟ 
إذا كان جوابك بالإيجاب فلا تكترث للتسميات إذن، ودعنا نغرقُ معاً في شعرية نصوصك المفتوحة، وإن كانت الأخرى فدعك من حرفة الأدب كلّها، واطلب توتّرك فيما تجده مُدغدغاً لدواخلك، مُنعشاً لإحساس الذئب النائم فيك . 


تابعنا على
تصميم وتطوير