
بغداد/الزوراء:
في ظل تصاعد أنماط الجريمة المنظمة وتعقّد شبكاتها داخل العراق وعبر حدوده، يواجه القضاء تحديات متزايدة في ملاحقة جماعات إجرامية تتسم بالهيكلية والتنظيم والامتداد الدولي. وأوضح قاضي محكمة تحقيق الرصافة المختصة بقضايا النزاهة وغسل الأموال، القاضي أحمد محمد، في تصريح صحفي أن «الجريمة المنظمة تمثل نشاطاً إجرامياً تمارسه جماعة ذات هيكل تنظيمي مستمر، تتوزع فيه الأدوار وتُدار من خلال قيادة واضحة، وغالباً ما تلجأ إلى استخدام شركات واجهة كغطاء قانوني لإخفاء أنشطتها».
وبيّن أن «من أبرز صورها الاتجار بالمخدرات والبشر، وغسل الأموال، والفساد المالي، فضلاً عن الجرائم السيبرانية». وأشار إلى أن «المنظومة القانونية الحالية تفتقر إلى أدوات متكاملة لمواجهة هذا النوع من الجرائم، لاسيما في ما يتعلق بالمصادرة الموسعة، والتحقيقات المالية المعمقة، وحماية الشهود»، مؤكداً «الحاجة إلى تشريع قانون خاص يضع تعريفاً دقيقاً للجماعة الإجرامية المنظمة، وينظم أساليب التحري الحديثة كالمراقبة والاختراق».
وبيّن أن «القضاء يمتلك بعض الوسائل لملاحقة الشركات الواجهة، من خلال تفعيل مبدأ المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي، ورفع السرية المصرفية، والتنسيق مع الجهات الرقابية كهيئة النزاهة والبنك المركزي، فضلاً عن التعاون الدولي لتتبع الأصول خارج العراق، لإثبات استخدام هذه الشركات كأدوات لتمرير النشاط الإجرامي».
وأكد أن «إنشاء هيئات قضائية متخصصة يُعد ضرورة تفرضها طبيعة هذه الجرائم، لما تتطلبه من خبرة دقيقة وسرعة في الفصل وتوحيد للاجتهاد القضائي، على أن تكون ضمن هيكل القضاء العادي ولكن بتخصص نوعي».
وفيما يتعلق بالتحديات الدولية، أشار إلى أن «ملاحقة الرؤوس المدبرة خارج العراق تواجه عوائق قانونية، من بينها غياب اتفاقيات تسليم المجرمين في بعض الحالات، وازدواج الجنسية، واشتراط مبدأ التجريم المزدوج، وهي عوامل تستدعي تعزيز التعاون الدبلوماسي والقضائي».
ولفت إلى أن «تصنيف العراق المرتفع نسبياً في مؤشر الجريمة المنظمة يرتبط بجرائم تهريب المخدرات والنفط والفساد، ما يستدعي إصلاحاً تشريعياً شاملاً، وتفعيل أدوات المصادرة، وتعزيز الشفافية المالية، وتوسيع نطاق التعاون الدولي».
وشدد على أن «خطورة الجريمة المنظمة لا تقتصر على بنيتها الإجرامية، بل تمتد أحياناً إلى ارتباطها بجهات نافذة، الأمر الذي يستوجب توفير حماية أمنية مشددة للقضاة، إلى جانب ضمانات وظيفية قوية وتجريم أي محاولات للتأثير على القضاء، مع التأكيد على أن الحماية يجب أن تكون مؤسسية وليست حصانة مطلقة، فضلاً عن أهمية حماية الشهود وسرية الإجراءات عند الضرورة». من جانبه، أكد رئيس محكمة جنايات الكرخ حيدر ناجي في تصريح لصحيفة القضاء أن «الجريمة المنظمة تتخذ صوراً متعددة، في مقدمتها الاتجار بالبشر وتهريبهم، حيث تنشط شبكات تستغل الضحايا في العمل القسري أو الاستغلال الجنسي أو التسول، إلى جانب جرائم تهريب وتجارة المخدرات التي تديرها شبكات إجرامية داخل البلاد وخارجها».
وأضاف أن «هذه الجرائم تمتد لتشمل تجارة السلاح غير المرخص، والابتزاز والاحتيال، والتجارة غير المشروعة بالسلع المقلدة، وتزييف العملات، وغسل الأموال، فضلاً عن السرقات الكبرى التي تنفذها شبكات منظمة ذات تنسيق عالٍ».