
في الجنوب اللبناني، حيث تختلط رائحة التراب بذاكرة الدم، لم يكن خبر استشهاد الصحافيين مفاجئاً بقدر ما كان موجعاً على نحو شخصي، حميم، يكاد يُسمع فيه صوت الضحية قبل أن يسقط جسدها. هناك، كتبت فاطمة فتوني عبارتها التي تبدو اليوم كأنها وصية « عباس بدا تقتلني إسرائيل… بس إنت فخور فيي اعترف».
لم تكن نبوءة بقدر ما كانت معرفة عميقة بطبيعة حرب لم تعد تفرق بين الكاميرا والبندقية، ولا بين الصحافي والمقاتل. استُهدفت فاطمة، إلى جانب مراسل « المنار» علي شعيب والمصور محمد فتوني، في طريق كفرحونة – جزين، بصواريخ متتالية أطلقتها مسيرة إسرائيلية. لم يكن الاستهداف ضربة واحدة عابرة، بل ملاحقة دقيقة، أشبه بقرار إعدام مؤجل لثوانٍ. نجوا للحظة، ترجلوا من السيارة، حاولوا الاحتماء بسيارة عابرة، لكن السماء كانت تراقبهم. عادت المسيرة لتُكمل مهمتها. هنا، لا يبدو الموت صدفة، بل إجراءً محسوباً. المشهد، بكل تفاصيله، يعيد إلى الأذهان سيناريو غزة، حيث جرى التمهيد لاستهداف الصحافيين عبر خطاب يجردهم من صفتهم المدنية. الاتهام ذاته يتكرر، « الصحافي المقاتل» ، وفي حالة علي شعيب، ذهب المتحدث باسم جيش الكيان الإسرائيلي إلى حد اعتباره عنصراً استخباراتياً في قوة الرضوان. غير أن هذا الادعاء، حتى لو أُخذ على محمل الجدل، لا يغير من حقيقة أساسية، ذلك أن الرجل كان يؤدي عمله الصحافي، علناً، بالكاميرا والصوت، لا بالسلاح.
وفق قواعد القانون الدولي الإنساني، يُعد الصحافي مدنياً ما لم يشارك مباشرة في الأعمال القتالية، وهذه قاعدة ليست إجرائية فحسب، بل أخلاقية أيضاً، لأنها تحمي وظيفة نقل الحقيقة في زمن الحرب. غير أن ما جرى في جنوب لبنان يتجاوز مجرد خرق لهذه القاعدة، إلى محاولة إعادة تعريفها بما يخدم منطق القوة، إذا لم يعجبك صوت الصحافي، اتهمه، ثم استهدفه. لكن الأخطر في هذه الجريمة ليس فقط استهداف الصحافيين، بل نمط التنفيذ نفسه. الضربات المتتالية، ملاحقة الناجين، استهداف المسعف الذي هرع لإنقاذهم، كلها عناصر تشير إلى انتهاك مركب لمبادئ التمييز والتناسب والوقاية. لم يكن الهدف تحييد خطر مزعوم، بل تصفية مجموعة بشرية في سياق مدني واضح. وهنا تبدو عبارة فاطمة أكثر من مجرد جملة عابرة. إنها تعبير عن وعي الصحافي في مناطق النزاع بأنه يسير على حافة الاستهداف الدائم. ومع ذلك، يختار البقاء. لماذا ؟ لأن الجنوب صنعها، كما كتب زميلها لاحقاً. هذه العلاقة بين الصحافي ومكانه، بين الكلمة والأرض، تجعل من الاستهداف اعتداءً مزدوجاً، على الإنسان، وعلى الحكاية التي يحملها.
ردود الفعل اللبنانية، الرسمية والنقابية، وصفت ما جرى بأنه جريمة حرب. وهو توصيف لا يبدو مبالغاً فيه، إذا ما أُخذت الوقائع كما هي، استهداف مباشر، متعمد، لمدنيين معروفي الصفة، مع استخدام مبررات واهية لنزع هذه الصفة. ومع ذلك، يبقى السؤال، هل تكفي الإدانة؟ فالتجارب السابقة تشير إلى أن بيانات الشجب، مهما ارتفعت نبرتها، لا تصنع عدالة. لذلك تتجه الأنظار إلى مسارٍ آخر، ذلك هو التدويل القانوني، واللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية، وتوثيق الجرائم وفق معايير جنائية، وإن ذلك لم يعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة أخلاقية وقانونية. لأن الإفلات من العقاب، في مثل هذه الحالات، لا يعني فقط غياب العدالة، بل تشجيع تكرار الجريمة.
ينضم علي شعيب وفاطمة فتوني ومحمد فتوني إلى قائمة طويلة من الصحافيين الذين سقطوا منذ عام 2023. قائمة تكبر، لا بالأرقام فقط، بل بالدلالة التي تشير إلى استهداف منهجي لوظيفة الإعلام في مناطق النزاع. وكأن المطلوب ليس فقط إسكات صوت، بل إطفاء ذاكرة. وفي النهاية، لا يبقى من المشهد سوى تلك الجملة الأولى، التي تبدو الآن كأنها تختصر كل شيء « بس إنت فخور فيي اعترف». ربما كان هذا هو الرهان الأخير للصحافي، أن يموت وهو يعرف أن صوته وصل، وأن أحداً، في مكانٍ ما، سيقول عنه إنه كان يستحق الفخر.