رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
العقل الثقافي العراقي ثقل التاريخ وقلق الحاضر


المشاهدات 1149
تاريخ الإضافة 2026/03/29 - 10:09 PM
آخر تحديث 2026/03/30 - 12:53 PM

العقل الثقافي العراقي ليس بنية ثابتة، بل هو تراكم معقّد من طبقات حضارية متعاقبة تبدأ من حضارة بلاد الرافدين، حيث وُلدت أولى أشكال الكتابة والتدوين، مرورًا بالعصر العباسي الذي تمركز حول بغداد بوصفها عاصمة للمعرفة، وصولًا إلى التحولات العنيفة في الدولة الحديثة. هذا الامتداد التاريخي منح العقل العراقي سمة الازدواج: فهو عقل يؤمن بالمقدّس والمعرفة معًا، ويعيش دائمًا على تخوم التوتر بينهما.
في جوهره، يتسم هذا العقل بقدرة عالية على التأويل. العراقي لا يتعامل مع النص—دينيًا كان أم سياسيًا—بوصفه معطى نهائيًا، بل كمساحة مفتوحة لإعادة القراءة. وهذا ما يفسر تنوع المدارس الفكرية والدينية التي نشأت في العراق، من الاعتزال إلى التشيّع السياسي، ومن الفقه التقليدي إلى الحركات النقدية الحديثة. إن هذه القابلية للتأويل هي في الوقت ذاته مصدر غنى وسبب انقسام، إذ تتحول الاختلافات الفكرية سريعًا إلى اصطفافات هوياتية.
العامل الجغرافي والسياسي لعب دورًا حاسمًا في تشكيل هذا العقل. فالعراق، بحكم موقعه، كان دائمًا ساحة تماس بين إمبراطوريات وقوى إقليمية، من الفتح الإسلامي إلى الاحتلالات الحديثة مثل غزو العراق 2003. هذه التراكمات صنعت وعيًا جمعيًا مشبعًا بالشك والحذر، لكنه في الوقت نفسه أنتج حسًا نقديًا عاليًا تجاه السلطة، أيا كان شكلها.
ومن أبرز سمات العقل الثقافي العراقي أيضًا “الذاكرة الثقيلة”. فالتاريخ هنا لا يُنسى، بل يُستعاد باستمرار. الذاكرة ليست مجرد سجل، بل أداة تفسير للحاضر. لذلك، كثيرًا ما يُقرأ الواقع السياسي والاجتماعي من خلال إسقاطات تاريخية، سواء كانت حقيقية أو متخيّلة. وهذا ما يجعل الخطاب الثقافي العراقي مشحونًا دائمًا بالماضي، حتى في أكثر لحظاته حداثة.
في المقابل، يعاني هذا العقل من انقسام داخلي حاد بين نزعتين: نزعة محافظة تسعى إلى الاحتماء بالتراث، وأخرى تحديثية تحاول القطيعة معه. هذا الصراع لم يُحسم، بل تعمّق بعد 2003، حيث انفجرت الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة. وهنا يظهر التحدي الأكبر: كيف يمكن للعقل الثقافي العراقي أن يعيد إنتاج ذاته خارج ثنائيات الطائفة والقومية؟
رغم ذلك، يظل هذا العقل قادرًا على التجدد. فالعراق، الذي أنتج أجيالًا من الشعراء والمفكرين والفنانين، ما زال يمتلك طاقة كامنة لإعادة بناء سرديته الثقافية. هذه الطاقة تظهر اليوم في محاولات شبابية لكسر القوالب التقليدية، وفي خطاب مدني يسعى إلى إعادة تعريف الانتماء على أسس المواطنة لا الهوية الضيقة.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير