
في كثير من البيوت العربية يكبر الأطفال على إيقاع نشرات الأخبار بقدر ما يكبرون على إيقاع الحياة اليومية تتردد في الخلفية عناوين عن صراعات وحدود متوترة وأسعار ترتفع وأزمات تتبدل أشكالها، وبين شاشة الهاتف وشاشة التلفاز يتشكل وعي جيل كامل وهو يراقب منطقة تتغير باستمرار، منطقة أصبحت فيها التحولات السياسية والاقتصادية جزءاً من التجربة اليومية للشباب.
هذا الجيل الذي وُلد مع بدايات الألفية الجديدة نشأ في مرحلة امتلأت بالأحداث المفصلية، فقد تركت الحرب التي أعقبت غزو العراق 2003 آثاراً عميقة في توازنات المنطقة ثم جاءت موجة الاحتجاجات التي عُرفت باسم الربيع العربي عام 2011 لتفتح مرحلة جديدة من التحولات السياسية، وبين هذين الحدثين وما تبعهما من أزمات اقتصادية وصراعات إقليمية تشكلت ذاكرة جيل كامل على وقع الأخبار العاجلة والتغيرات المتسارعة.
الأرقام الديموغرافية تعكس أهمية هذه المرحلة.. تقارير البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي تشير إلى أن الشباب يشكلون نسبة كبيرة من سكان العالم العربي، إذ إن ما يقارب ستين في المئة من سكان المنطقة دون سن الثلاثين، هذه الكتلة البشرية الواسعة نشأت في بيئة تتداخل فيها التحديات الاقتصادية مع التحولات السياسية الأمر الذي ترك تأثيراً واضحاً في طريقة تفكيرها وتطلعاتها للمستقبل.
على المستوى الاقتصادي واجه كثير من الشباب صعوبات مرتبطة بفرص العمل والاستقرار المهني.. تقديرات منظمة العمل الدولية تشير إلى أن معدلات بطالة الشباب في المنطقة العربية تعد من بين الأعلى عالمياً، هذه المعطيات دفعت أعداداً متزايدة من الشباب إلى البحث عن مسارات بديلة لتحقيق الاستقرار سواء عبر التعليم المتخصص أو ريادة الأعمال أو حتى الهجرة إلى أسواق عمل خارج المنطقة.
في الوقت نفسه تشكلت علاقة جديدة بين الشباب والفضاء العام بفضل التطور التكنولوجي، فقد تحولت المنصات الرقمية إلى ساحات للنقاش وتبادل الآراء حيث يستخدم ملايين الشباب تطبيقات مثل فيسبوك وإكس، لمتابعة الأحداث السياسية والاجتماعية والتعبير عن مواقفهم تجاهها، هذا الانفتاح الإعلامي منح كثيراً من الشباب قدرة أكبر على الوصول إلى المعلومات وتحليلها، وساهم في تشكيل وعي سياسي مبكر مقارنة بالأجيال السابقة. غير أن هذه التجربة المليئة بالتحديات تركت أيضاً أثراً نفسياً واجتماعياً واضحاً، فالمستقبل بالنسبة لكثير من الشباب يُقرأ بحذر في ظل واقع اقتصادي متقلب ومسارات سياسية غير مستقرة في عدد من الدول.. وبين الطموحات الشخصية والظروف المحيطة يجد كثير منهم أنفسهم في رحلة بحث مستمرة عن فرص تحقق لهم الاستقرار، وتفتح أمامهم آفاقاً جديدة، ورغم كل ذلك يحمل هذا الجيل إمكانات كبيرة للمستقبل، فالشباب الذين نشأوا في بيئة معقدة اكتسبوا قدرة ملحوظة على التكيف مع التحولات السريعة كما أصبحوا أكثر وعياً بطبيعة التحديات التي تواجه مجتمعاتهم، هذه التجربة قد تتحول إلى مصدر قوة إذا ما توفرت لهم فرص المشاركة الحقيقية في الحياة الاقتصادية والسياسية.
تبدو قصة هذا الجيل أبعد من مجرد حكاية عن أزمات متراكمة، إنها أيضاً قصة عن جيل تعلّم مبكراً قراءة التحولات، ويمتلك فرصة تحويل التجارب الصعبة التي عاشها إلى طاقة تدفع نحو الإصلاح وبناء مستقبل أكثر استقرارًاً وعدالة في العالم العربي.