رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
جسر الترجمة


المشاهدات 1120
تاريخ الإضافة 2026/03/29 - 10:07 PM
آخر تحديث 2026/03/30 - 12:53 PM

في زحمة الانشغالات الأكاديمية، وبين أروقة الجامعات التي تضج بحيوية الشباب وأحلامهم، تبرز لحظات نادرة تستحق التوقف عندها، لأنها تفتح نافذة على جهد ثقافي عميق لا يُرى كثيراً في الواجهة. هكذا كانت زيارتنا إلى جامعة الإمام جعفر الصادق، ونحن نشارك في لجنة تحكيم نتاجات المهرجان الوطني الأول للصحافة الجامعية، حيث لم يكن الحدث مقتصراً على تقييم أعمال الطلبة، بل امتد ليشمل اكتشاف عوالم معرفية أخرى، كان من بينها الحديث عن واحد من أبرز المترجمين العراقيين المعاصرين، د . قاسم محمد حسن جاسم الأسدي.
في مكتب رئيس الجامعة الدكتور رياض خليل إبراهيم التميمي، استوقفتني مع الزميلين عبد الستار البيضاني، وعبد الهادي مهودر، موسوعة لافتة بعنوان « موسوعة ثورة العشرين الكبرى بأقلام أجنبية»، وهي بحد ذاتها عمل يشي بذهنية علمية تسعى إلى إعادة قراءة التاريخ العراقي من زوايا متعددة. ومن هنا انفتح الحديث عن الترجمة بوصفها جسراً معرفياً، وعن الجهود التي يبذلها الدكتور الأسدي في هذا المضمار. 
إن الترجمة ليست عملاً تقنياً محضاً، بل هي فعل ثقافي مركب، يحتاج إلى حس لغوي رفيع، ومعرفة عميقة بالسياقات التاريخية والحضارية للنصوص. وهذا ما يتجلى بوضوح في أعمال الأسدي، الذي لم يكتفِ بنقل النصوص، بل سعى إلى إحيائها داخل بيئتنا الثقافية. ومن أبرز ما أنجزه ترجمته لكتاب « الأمثال والحكم السومرية»، وهو عمل فريد يعيد ربطنا بجذورنا الحضارية الأولى، وقد قدم له الباحث المعروف د. خزعل الماجدي، في إشارة إلى القيمة العلمية التي ينطوي عليها هذا الجهد. وكما هو معروف فإن الاشتغال على النصوص السومرية ليس مهمة سهلة، فهي نصوص موغلة في القدم، مشبعة برموزها وأساطيرها وسياقاتها الدينية والاجتماعية. ومع ذلك، استطاع الأسدي أن يقدّمها بلغة عربية رصينة، تحافظ على روح النص الأصلي، وتمنحه في الوقت ذاته قابلية للتداول والفهم لدى القارئ المعاصر. وهنا تكمن أهمية هذا النوع من الترجمة في إنه لا يكتفي بنقل المعرفة، بل يعيد إنتاجها.
ولا تقف مساهمات هذا المترجم عند هذا الحد، إذ إن له أعمالاً أخرى تتناول موضوعات تاريخية وفكرية متنوعة، ما يعكس اتساع أفقه المعرفي واهتمامه ببناء مكتبة عربية رصينة في مجالات متعددة. كما أن موقعه في رئاسة جمعية المترجمين العراقيين يضعه في قلب مشروع ثقافي أوسع، يسعى إلى النهوض بحركة الترجمة في العراق، بعد سنوات طويلة من التراجع. وما نحتاجه اليوم، في ظل الانفجار المعرفي العالمي، ليس فقط مترجمين، بل مشاريع ترجمة، قادرة على اختيار النصوص بعناية، وتقديمها ضمن سياق علمي رصين. وهذا ما يمثله الأسدي، بوصفه نموذجاً للمترجم الذي يجمع بين الدقة الأكاديمية والوعي الثقافي.
لقد خرجنا من تلك الزيارة بانطباع واضح، وهو أن في العراق طاقات علمية كبيرة، تعمل بصمت، وتحتاج فقط إلى من يلتفت إليها. والأسدي واحد من تلك النماذج التي تؤكد أن الترجمة، حين تكون فعلاً معرفياً واعياً، يمكن أن تتحول إلى مشروع نهضوي حقيقي، يعيد وصلنا بتاريخنا، ويفتح أمامنا آفاق المستقبل.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير