رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الحـــرب كأفـــق لفهـــم العــــالم (نموذجا:أميركا / إيران)


المشاهدات 1065
تاريخ الإضافة 2026/03/25 - 10:18 PM
آخر تحديث 2026/03/26 - 3:09 AM

بادئ ذي بدء، من المعروف أن واقعنا الحالي – والحالي هنا بالمعنى الحداثة- يرفض الحرب كفعل ضد السلام والأمن. فالإنسان منذ البعث يعيش على إجهاد كل ما يجعله/ يحده من أن يكون إنسانا. وهذا يجعل الحرب منبوذا دينيا، أخلاقيا، إنسانيا...الخ .
تعلمنا ونحن صغار أن العالم يتقدم نحو الأمام (وإن كان مفهوم التقدم يختلف من بلد الى اخر)، تقدم يحث على الديمقراطية واحترام الرأي والرأي المخالف، فجعلنا لواقعنا معايير أخلاقية كانت أو سياسية أو دينية ...الخ. معايير تجعل الفرد جزءا من الكلي، وهو المجتمع/ الدولة التي ينتمي إليها. لكن السؤال الذي يجمعنا ما الذي وقع؟ وإن كان الأصل في السؤال هو: لماذا وقع ما وقع؟ 
عندما بسط الفيلسوف الألماني هيغل  (1770-1831) فلسفته في شكل نسق system  اشترط فيه أن يكون الفهم متأصلا في التركيب الثلاثي ؛ وهذا يدل على أهمية التفكير كأفق وغاية للفهم الانساني حتى لو كان المعنى يختلف عن الدلالة وهذه الأخيرة عن الواقع. لهذا جل القراء يعتقدون بما فيهم ماركس أن فلسفة الرجل تمشي على رأسها.
1) الأطروحة: ماذا وقع؟ 
2) النقيض : كيف وقع ما وقع ؟
3) التركيب: لماذا وقع ما وقع؟ ... وهذا ما يهمنا في هذا المقال. 
وحتى تكون البداية هي المنطلق، وعلى اعتبار أن المنطلق متعدد، لذلك ونحن نتحدث عن الحرب لابد من ربطها بالدولة. فالحديث عن الدولة ككيان سياسي يفرض عليها ان تكون هي نفسها دولة قائمة بذاتها من جهة، لكن من جهة أخرى ان تكون دولة تتمتع بالاستقلالية والسيادة –لا أقصد السيطرة - ، وفق قوانين وضعية. فتكون بذلك الغاية من السياسة قيام دولة خالية من العنف، دولة تقوم على الحق والعدالة والديمقراطية. هذا  لو أردنا ان نقف عن المفهوم السياسي إغريقاً قبل ق7 قبل الميلاد. لكن ما الذي يدفع / يرغم الدولة على الحرب (العنف)؟ هل يعقل اليوم أن نتحدث عن دولة لا تقوم على العنف والسيطرة وكل أشكال العنف ؟ ألم تعرف سوسيولوجيا من خلال الوسيلة التي تميزها، وهو العنف (ماكس فيبر) ؟.
إن الحياة التي نعيشها /نحياها سواء في علاقتنا مع ذواتنا أو مع الاخرين لابد من أن  تحمل ثورة /حرب، أن نعيش هو أن نموت، فكل شيء يحمل في ذاته نقيضه، واستمراره يكمن في الصراع. لهذا عندما قال هيغل « إن الصراع يخلق الاعتراف» (جدلية السيد والعبد). وهذا يجعلنا على وعي تام أن الحياة لا يمكن أن تستمر في الوجود دون حرب (صراع).وفهمنا هنا للصراح أو للحرب هو فهم مادي واقعي، وهذا يخلق لبسًا، بينما المقصود به العقلي المجرد. أولم يعلن هيغل أن العقلي واقعي فعلي ثم يصبح الواقعي عقليا. الواقع هنا عند هيغل مجرد، ويتجلى في تطور الفكر الانساني عبر التاريخ.( واقع ذاتي هو الذي ندرك فيه تجاربنا الشخصية،   وواقع موضوعي، أي الذي يوجد خارج الفرد ويشمل الطبيعة وما هو اجتماعي، وواقع مطلق وهو ما نقصده هنا كغاية للتطورات التي عرفها الإنسان عبر التاريخ منذ الأزل).
ما يجب أن نقف عليه ، هو أن الحرب رغم أنها الوسيلة للسيطرة والهيمنة ضد كل عدو، هي في ذات الوقت وسيلة لفهم الاخر/العالم، أن تكون أو لا تكون . أن تكون يفرض الهيمنة والبحث عن الإعتراف، فتكون بلغة هيغل أنت السيد، بينما الاخر هو العبد. وألا تكون يجعلك ضمن أقدام الأخرين ، مجرد أداة ...
ما الذي وقع؟ 
إن فهم السؤال ما الذي وقع؟  يحيلنا مباشرة  على المعضلة التي كان الفيلسوف الألماني كانط (1724/1804) يحاول الجواب عنها ، كيف يمكنني أن أفهم هناك من هنا ؟ فكان جواب كانط واضحا للعيان ؛ لا يمكنك ذلك ما لم يتجلى هناك «ل» هنا.. وإذا أردنا أن نأصل/ لهذا الفكر الفلسفي ضمن واقعنا الاجتماعي لقلنا ما يلي: 
إذا أردنا أن نفهم ماذا يجري في العالم اليوم من حروب مدمرة ، لقلنا فهمنا لهناك يقف عند فهمنا « ل « واقعنا. 
عود على بدء : لا نريد عرض التاريخ بقدر ما نريد فقط أن نشير الى ما وقع في التاريخ. عندما تكون الدولة لا تسعى كدولة لتحقيق المبدأ الكلي (كالعدالة، الديمقراطية، الحرية... ) عندما تكون المصلحة بالمعنى الذاتي أو حتى الموضوعي هي الأساس فمن العبث كما قال ذات مرة شيشرون  « من المستحيل أن تكون عادلة حتى ولو قبل بها المواطن ...» ألا يحث هذا على دفع الأفراد الى المطالبة بالحقوق. لماذا دخلت فرنسا يومها تحت دريعة الحماية؟ من الذي أجج الوضع السياسي آنذاك فجعل الكل مختلفا وإن كان متفقا؟ من المستفيد من الوضع؟.
إن المسألة تفوق البعد الإنساني عندما تتعارض المصلحة مع القيم والمبادئ... هل تبقى لهذه الأخيرة معنى إذا تعارضت مع كل ما هو إنساني ؟ 
السؤال المشروع والذي أعتقد يجب التنبيه له إذا أردنا المرور الى هناك من هنا هو :ماذا يملك المغرب وتريده مثلا فرنسا؟ أوليس هو نفس السؤال الذي جعل الولايات المتحدة الأمريكية تدخل الى ايران من أجل فض الصراع أو النزاع الحاصل بين الدولة وشعبها. هل من حقها التدخل فيما لا يعنيها؟ ! سؤال اختلف فيه اثنان: فريق ادعى أن الدولة بقوانينها فاسدة ومن حق شعبها أن يثور من أجل ضمان العيش الكريم وتحقيق العدالة الاجتماعية للموطن كيفما كانت هويته/ جنسيته. واللجوء الى دولة قوية اقتصاديا أمنيا سياسيا هو الحل .وفريق اخر ادعى العكس: أي أن للدولة الحق في فرض سيطرتها على شعبها مادام الفرد جزءا من الدولة، وأن لا دولة اليوم لا تعيش تدهورا سواء كان اقتصاديا أو اجتماعيا. 
لماذا وقع ما وقع؟
لا أريد الوقوف على النقيض (كيف وقع ما وقع؟) لسبب ان لكل دولة سياستها وأقصد أسبابها الخاصة، لذلك تلعب كل دولة استراتيجية لها أهداف وغايات لا تستعين فيها بالملائكة بل تعمل على تطوير ذاتها ( العلم / السلاح ...).
ما يهمنا كما سبقت الاشارة الى ذلك هو النتيجة، نتيجة التطورات التي عرفها التاريخ البشري. هل نعتقد فعلا في كل التدخلات التي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية أن ما يهمها هو السلام الكوني بما هو سلام. ألم يكشف التاريخ عن ذاته في كل التدخلات التي قامت بها في (العراق ، اليمن، فنزويلا...) ثم لو اعترض معترض، وليكن مواطنا من فنزويلا، وقال « إن المواطن الفنزويلي في سعادة لا توصف فقط لكونه تخلص من نظام دكتاتوري. ألا نكون هنا في مرتبة ما يسميه أرسطو بالكمون « الذات في ذاتها « لم تخرج بعد من الوجود في الذات لتصبح وجود للذات من اجل الذات (مرحلة الوعي بالذات ).. هل وصل المواطن الفنزويلي الى الوعي بالذات فأدرك بذلك وجوده ضمن الكلي؟ 
أن نتعلم من التاريخ هو أن ندركه في كليته كتاريخ قابل أن يعيد ذاته في المراحل الثلاث (الوجود في الذات / الوجود للذات / الوجود في وللذات)، وهو الأمر الذي لم نستوعبه بعد إن لم نقل لم يحن الوقت لفعل الادراك. 
باختصار ما يقع وكيف وقع ؟ إن ما يقع هو وعي متجاوز لأن الولايات المتحدة لا تريد حربا من أجل الحرب مع ايران، وإنما هو سياق لفرض السيطرة على الدول الكبرى مادامت ايران كغيرها وسط بين فعل الكمون وفعل الوجود.


تابعنا على
تصميم وتطوير