
تمثل تجربة الفنان والناقد العراقي الراحل جميل حمودي (1924 – 2003) علامة فارقة في تاريخ الحداثة التشكيلية العربية. فهي لم تكن مجرد سيرة ذاتية لفنان مرّ عبر المحترفات الباريسية وعاد رمزا كبيرا، بل كانت “مشروعا نهضويا” متكاملا، زاوج فيه بين ريادة اللوحة الحروفية وتأسيس الوعي النقدي الجمالي.
إن قراءة تجربة حمودي تقتضي منا الغوص في جدلية “الأصل والمعاصرة”، وكيف استطاع هذا المبدع أن يحوّل “الحرف العربي” من وعاء لغوي مقدس إلى وحدة بنائية هندسية وجمالية تخاطب العصر بلغة عالمية.
ولد جميل حمودي في بغداد يوم 14 مارس عام 1924، في لحظة تاريخية كانت فيها المدينة تمور بالتحولات السياسية والثقافية، إلا أن الأثر الأعمق في تكوينه لم يأتِ من المناهج المدرسية الجاهزة، بل من “الكتاتيب”. هناك، حيث القلم المقطوع من القصب والحبر الأسود، تشكلت ذائقته البصرية الأولى.
إن افتتانه بالخط العربي لم يكن مجرد ممارسة تقنية، بل استحضارا لقيم “روحية ودينية” كما وصفها هو نفسه. هذه الجذور هي التي منحت لوحته لاحقا “حصانة هوياتية” ضد الذوبان الكامل في التغريب، رغم إقامته الطويلة في فرنسا.
لقد تعلم حمودي باكرا أن الحرف ليس مجرد رسم، بل هو عمارة ومنارة، وهو ما نلمسه في محاولاته الصبيانية لتشكيل المساجد والقباب عبر الكلمات، مما مهد الطريق لظهور الواقعية التجريدية في منجزه الناضج.
حين غادر حمودي إلى باريس عام 1947، لم يذهب كسائح بصري، بل كباحث عن “الاستنارة الجديدة”، كانت باريس ما بعد الحرب العالمية الثانية مختبرا للانفجارات الفنية (التجريد، التكعيب، الوجودية). وفي هذا المعترك لم ينعزل حمودي، بل انخرط في “صالون الحقائق الجديدة” عام 1949، عارضا أعماله إلى جانب عمالقة مثل “هارتونك” و”شوفير”.
هنا تبرز قيمة حمودي “كجسر ثقافي”، لم يكتف بالرسم، بل أسس دارا للنشر وأصدر مجلة “عشتار” بالفرنسية، ليعرّف الغرب بحضارات الشرق. لقد كان “دبلوماسيا ثقافيا” بامتياز، استطاع أن يقنع الناقد الفرنسي الكبير جاك لاسين بكتابة مقدمة معرضه، وهو اعتراف دولي لم يكن سهلا لفنان قادم من ضفاف دجلة في ذلك الوقت.
يُعد جميل حمودي، إلى جانب مديحة عمر وشاكر حسن آل سعيد، الأب الشرعي لـ”جماعة البعد الواحد”، إن عبقريته تكمن في قدرته على فك الاشتباك بين الخطاط والفنان التشكيلي. بالنسبة إليه، الحرف ليس عنصرا للتزيين، بل هو “كائن تشكيلي” يمتلك فضاءً، كتلةً، وملمسا.
هناك مراحل كثيرة مميزة في مسيرته منها المرحلة التجريدية الهندسية (سنوات الخمسينات)، حيث طغى الخط الكوفي بصرامته الهندسية، ممتزجا بالتكعيبية الغربية. هنا، تحول الحرف إلى “مكعبات” و”هالات سرمدية” تعبر عن ديمومة الوجود.
تأتي أيضا المرحلة المعمارية (الأرابسك)، حيث تلاحمت الحروف مع الزخرفة الإسلامية لتشكل ثنائية بصرية تذكرنا بآثار بابل وواجهات المساجد، موظفا نصوصا مقدسة (البسملة والآيات) لا لغرض الوعظ، بل لتحقيق الامتلاء الجمالي والروحي في الفضاء.
ويقول “يظل الفن عندي بلورة تنعكس عبرها الحياة، معتمدا جمالية الحرف العربي تعبيرا عن انتمائنا إلى حضارتنا وقوميتنا”.