رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
موانئ تحت النار


المشاهدات 1034
تاريخ الإضافة 2026/03/23 - 9:21 PM
آخر تحديث 2026/03/23 - 11:07 PM

لم تعد الحروب الحديثة تُقاس فقط بانتشار الجيوش أو حجم الأسلحة، بل أصبحت تُقاس بمدى القدرة على التأثير في مفاصل الاقتصاد العالمي.
 اليوم، تتضح هذه الحقيقة في الخليج العربي، حيث تحولت الموانئ والممرات البحرية الحيوية إلى ساحات صراع، تتحرك فيها السفن ليس كوسائل نقل فقط، بل كأهداف استراتيجية، والاقتصاد العالمي جزء من ساحة الاشتباك.
تلعب الولايات المتحدة الدور الأكثر وضوحاً في هذا المشهد، مركزة على حماية تدفق النفط وتأمين ممرات التجارة العالمية، إلى جانب الحفاظ على قواعدها العسكرية في المنطقة. استراتيجيتها تقوم على استخدام القوة بشكل محسوب، عبر ضربات دقيقة ومحددة، مع محاولة منع تصعيد كامل قد يؤدي إلى مواجهة شاملة مع إيران. الهدف واضح: الحفاظ على النفوذ مع الحد الأدنى من الخسائر.
إيران من جانبها تتعامل مع الوضع من منظور موازٍ. هي تعرف أن القوة العسكرية المباشرة قد تحمل مخاطر كبيرة، لذلك تعتمد على استراتيجية الردع بالقدرة على تعطيل الملاحة البحرية والضغط على المصالح الاقتصادية للدول الأخرى.
 مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة ضخمة من صادرات النفط العالمية، أصبح أحد أهم أدوات الضغط. إيران تسعى إلى خلق معادلة تقول: أي تهديد لها سيكون له تكلفة باهظة على خصومها.
أما إسرائيل، فتنظر إلى هذه المعادلة من منظور أمني مباشر، يركز على منع إيران من التوسع العسكري أو تعزيز نفوذها الإقليمي. لذلك تلجأ إلى ضربات استباقية، غالباً بالتنسيق مع الولايات المتحدة، وتستهدف مواقع تعتبرها استراتيجية لمواجهة أي تهديد محتمل في المستقبل. إسرائيل تدرك أن أي تأخير قد يمنح إيران فرصة لتعزيز موقعها العسكري، وهو ما يجعلها أكثر استعداداً لتصعيد محدود لكنه محسوب.
في هذه البيئة المعقدة، يصبح العراق من أكثر الدول تأثراً. وجود قواعد أمريكية على أراضيه يجعل العراق ساحة مفتوحة للصراع.
 أي تصعيد في المنطقة قد ينعكس مباشرة على الأمن الداخلي، سواء عبر ضربات محدودة أو من خلال زيادة الضغط السياسي والأمني. العراق يعيش حالة هشاشة مستمرة، إذ يمكن أن تتحول أي أزمة إقليمية إلى أزمة محلية تنعكس على استقرار الدولة.
دول الخليج العربي أيضاً في قلب المعادلة. الموانئ النفطية، التي تعد شريان حياة اقتصادية، أصبحت أهدافاً محتملة في أي تصعيد. 
تعطيل حركة الملاحة أو ضرب منشآت النفط يؤدي فوراً إلى ارتفاع الأسعار، ويؤثر على سلاسل الإمداد العالمية، ما يجعل المنطقة بأسرها تحت تأثير مباشر للصراع. الدول الخليجية مضطرة لتعزيز جاهزيتها الأمنية والعسكرية، مما يزيد من كلفة الاستقرار ويجعل المنطقة في حالة توتر مستمر.
 الواقع الحالي يشير إلى ما يمكن تسميته بـ”حرب الممرات”، حيث تُستخدم الموانئ والأدوات الاقتصادية كورقة ضغط، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. هذا النوع من الحروب يمنح الأطراف القدرة على المناورة، لكنه يحمل مخاطر كبيرة، لأن أي حساب خاطئ قد يؤدي إلى تصعيد مفتوح. ولعل أخطر ما في هذه المعادلة هو أن الصراع لا يبدو قابلاً للحسم بسهولة؛ فالهدوء المؤقت قد يتبعه تصعيد مفاجئ، والعالم كله يصبح مشاركاً في كلفة حرب لم تُعلن بشكل كامل، لكنها تُدار كل يوم بوسائل مختلفة.
في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى الصراع على أنه مجرد اشتباكات عسكرية، بل هو اختبار حقيقي لقوة النفوذ، وقدرة الدول على حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية في وقت واحد. العراق والخليج العربي هما الأكثر عرضة للتأثر، بينما تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تحقيق أهدافها الاستراتيجية ضمن شبكة معقدة من المصالح والتوازنات.
عندما تُستهدف الموانئ اليوم، لا تتوقف السفن وحركة التجارة فقط… بل تتوقف معها أجزاء من استقرار المنطقة والعالم. ومن هنا يصبح فهم هذه الحرب الجديدة، وفهم تأثيراتها الاقتصادية والسياسية، أمراً حيوياً لكل متابع للأحداث، سواء كان صانع قرار أو مراقباً دولياً.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير