رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
القارئ الكاتب


المشاهدات 1034
تاريخ الإضافة 2026/03/23 - 9:20 PM
آخر تحديث 2026/03/23 - 11:07 PM

لقد شهدت حياة الإنسان، ولا سيما الانسان العربي، تحوّلات عميقة، كان أبرزها انتقاله من عصر الورق إلى عصر الشاشة. ففي الماضي، كان المثقف  العربي يُبنى ببطء، كما تُبنى المدن العريقة؛ حجرًا فوق حجر. كانت القراءة فعلًا يوميًا ثابتًا، فيها متعة يأنس لها القارئ والكتاب، والصحيفة اليومية كانت صديقًا لا يُستبدل. ولم يكن الوصول إلى المعرفة سهلًا، بل يحتاج إلى جهد وسعي، مما منحها قيمة وهيبة. وكان الكاتب بدوره شخصية لها وزنها، لا يُنشر له إلا بعد مراجعة وتمحيص، فتخرج كلماته ناضجة، قادرة على البقاء.وفي كل حقبة زمنية يبرز كتاب تركوا إرثا عظيماً من الكتب تعد مراجع في كل مجالات العلوم والثقافات. 
أما اليوم، فقد قلب الهاتف المحمول هذا التوازن. لم يعد الإنسان ينتظر الكتاب أو الصحيفة، بل أصبحت المعرفة — أو ما يُشبهها — تتدفق إليه بلا توقف. هذا التدفق الهائل من المعلومات منها الحقيقي ومنها المزيف والمسروق خلق (وهم المعرفة)، إذ يشعر الفرد أنه مثقف لمجرد أنه يطالع عناوين سريعة أو منشورات مختصرة، دون أن يغوص في العمق الحقيقي للفكرة.ومناقشتها بينه وبين نفسه، فيتبنى منها مايناغم هوى نفسه ومعتقده ، 
ومن أخطر التحولات أن القراءة لم تعد وسيلة للتأمل، بل أصبحت استهلاكًا سريعًا. فالعين تمرّ على الكلمات، لكن العقل لا يتوقف عندها. وهنا تراجعت القدرة على التركيز الطويل، وهي القدرة التي كانت تميز مثقف الأمس. لقد أصبح العقل مبرمجًا على القفز من فكرة إلى أخرى، ومن شاشة إلى أخرى، مما أضعف الصبر الذهني الضروري للفهم العميق.
في المقابل، نشأ نموذج جديد هو (القارئ الكاتب)حيث أصبح كل مستخدم للهاتف قادرًا على إنتاج المحتوى.. وهذه الظاهرة تحمل جانبين متناقضين، فهي من جهة ديمقراطية المعرفة، إذ أتاحت لكل فرد أن يعبّر وينشر دون قيود، لكنها من جهة أخرى فتحت الباب للفوضى الفكرية، حيث تساوى الرأي العميق مع السطحي، والحقيقة مع الإشاعة.
بل إن المستخدم لم يعد كاتبًا فقط، بل أصبح مخرجًا ومنفذًا أيضًا؛ يصوّر، يحرر، وينشر في لحظة واحدة. هذه السرعة ألغت المسافة بين الفكرة ونشرها، وهي مسافة كانت في الماضي ضرورية للنضج والتفكير. ونتيجة لذلك، باتت كثير من الأفكار تُنشر قبل أن تكتمل، وكثير من الآراء تُقال قبل أن تُفهم.
كما أثّر الهاتف على اللغة نفسها، إذ أصبحت مختصرة سريعة، وأحيانًا مشوّهة. وغابت البلاغة التي كانت تميز الكتابة الأدبية، لتحل محلها لغة عامية هدفها الإيصال السريع لا الجمال ولا العمق.
أما الصحف والمجلات، فقد فقدت دورها كمرجع موثوق، بعدما أصبحت الأخبار تُنشر فور حدوثها عبر المنصات الرقمية. ولم يعد القارئ ينتظر التحليل، بل يكتفي بالعناوين، مما أضعف الذائقة النقدية لديه.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الهاتف أتاح فرصًا عظيمة؛ فقد قرّب المعرفة، وفتح أبواب التعلم الذاتي، وربط الإنسان بالعالم كله. لكن المشكلة ليست في الوسيلة، بل في طريقة استخدامها.
إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في توفر المعرفة، بل في القدرة على التمييز بين الغث والسمين، وبين القراءة الحقيقية والقراءة السطحية. فالمثقف المعاصر ليس من يقرأ أكثر، بل من يفهم أعمق، ويختار بعناية، ويمنح الكلمة حقها من التفكير.
وفي هذا السياق، يصبح (القارئ الكاتب) مسؤولًا أكثر من أي وقت مضى، لأنه لا يكتفي بتلقي المعرفةبل يشارك في صناعتها. فإذا أحسن الاستخدام كان الهاتف أداة نهضة، وإذا أساء، أصبح أداة تشتت وتفرقة ومنصة لزرع العداوة والفتنة ، 
وهكذا، يبقى الفرق الجوهري بين مثقف الأمس ومثقف اليوم هو العلاقة مع المعرفة، هل هي علاقة عمق وتأمل، أم علاقة سرعة واستهلاك؟ وعلى هذا الاختيار يتحدد مستقبل الثقافة نفسها.
يبقى هناك تساؤل مشروع لكل المثقفين ، سابقاً كان هناك (مشرف ورقيب لغوي  وأمني).. فأين هو الآن في عالم السوشل ميديا ؟
 


تابعنا على
تصميم وتطوير