
لم تعد الحروب الحديثة تُخاض بالسلاح وحده. فقبل أن تنطلق الصواريخ أو تتحرك الجيوش، تبدأ حرب أخرى أقل صخباً لكنها أشد تأثيراً، تلك هي الحرب النفسية التي تقوم على استخدام المعلومات والدعاية والتهديدات الإعلامية بهدف التأثير في معنويات الخصم وإرباك قراراته وإضعاف إرادته قبل المواجهة العسكرية المباشرة. ويعرّف الباحثون الحرب النفسية بأنها الاستخدام المنظم للدعاية والرسائل السياسية والإعلامية للتأثير في عواطف وسلوكيات العدو وإضعاف إرادته في القتال. وقد عرفت البشرية هذا النوع من الحروب منذ القدم، لكن القرن العشرين شهد تحولها إلى علم واستراتيجية عسكرية. ففي الحرب العالمية الثانية مثلاً استخدمت الدول المتحاربة الإذاعات والمنشورات والدعاية لإضعاف معنويات الجنود والمدنيين. ومع تطور الإعلام والإنترنت، أصبحت الحرب النفسية أكثر تعقيداً، حيث تشمل اليوم الدعاية الرقمية، والتضليل الإعلامي، والحرب السيبرانية، وتسريب المعلومات، وبث الرسائل الموجهة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي الحرب العدوانية المجنونة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في اليوم الأخير من شباط الماضي، وما زالت مستمرة، تبدو الحرب النفسية حاضرة بقوة منذ اللحظات الأولى للتصعيد. فقبل اندلاع العمليات العسكرية الفعلية، امتلأت وسائل الإعلام الدولية بسيل من التصريحات والتهديدات والتسريبات المقصودة. ومن أبرز أدوات هذه الحرب النفسية سياسة التهديد العلني وإظهار القوة. فقد تكررت تصريحات لمسؤولين أمريكيين تصور إيران بوصفها العدو الأخطر وتؤكد الاستعداد لاستخدام القوة العسكرية ضدها. هذه اللغة الصارمة تُستخدم غالباً لإحداث تأثير نفسي مزدوج، ردع الخصم من جهة، وتهيئة الرأي العام للحرب من جهة أخرى. وفي المقابل، استخدمت إيران الأسلوب نفسه ولكن بطريقة مختلفة، من خلال الدعاية العسكرية المصوّرة. فقد بثّت وسائل الإعلام الإيرانية مقاطع فيديو تُظهر ما تسميه مدن الصواريخ ومخازن الطائرات المسيّرة تحت الأرض، في رسالة واضحة مفادها أن طهران تمتلك قدرات ردع كبيرة وأن الحرب لن تكون سهلة على خصومها. هذه الرسائل الإعلامية ليست مجرد عرض عسكري، بل جزء من حرب نفسية تهدف إلى رفع معنويات الداخل الإيراني وإرسال إشارات ردع للخارج.وفي الواقع، يرى محللون أن الصراع بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى لم يعد مجرد مواجهة عسكرية، بل صراع على الإدراك والصورة الذهنية. فالتصريحات الإعلامية، وتسريب الأخبار، والحملات الرقمية، كلها أدوات تسعى إلى التأثير في الرأي العام العالمي وإضعاف ثقة الخصم بنفسه. وهكذا يمكن القول إن الحرب الحديثة تُدار اليوم على جبهتين، جبهة النار وجبهة العقول. وإذا كانت الصواريخ قادرة على تدمير المدن، فإن الحرب النفسية قادرة على إرباك الدول وإضعاف إرادة الشعوب حتى قبل أن يبدأ القتال. ولهذا السبب يقال إن المعركة في عصر الإعلام لا تبدأ في ساحة المعركة، بل في العقول والرسائل والصور التي تسبقها.الكلمة، في الحروب المعاصرة، قد تكون أحياناً أول طلقة في المعركة، وكسبها لا يقل عن كسب الحرب عسكرياً. وحذارِ من خديعة الحرب النفسية، ومن تضليل الرأي العام بالصور والمعلومات والمقاطع المُفبركة.