رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
المصور علي عيسى... فوتوغرافي صوّر أكثر من 70 % من الأعمال الإذاعية والتلفزيونية


المشاهدات 1122
تاريخ الإضافة 2026/03/12 - 1:29 AM
آخر تحديث 2026/03/12 - 10:42 PM

في ذاكرة الثقافة العراقية أسماء عملت بصمت لكنها تركت أثراً عميقاً في توثيق تاريخ الفن العراقي. ومن بين هؤلاء المصور الأرشيفي علي عيسى الذي يمكن القول إنه شاهد حي على عقود طويلة من نشاط المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون في العراق. فمنذ سبعينيات القرن الماضي حمل الكاميرا ليكون جزءاً من ذاكرة الصورة العراقية، فوثق أعمال كبار المخرجين والممثلين، وصور المسرحيات والتمثيليات والوفود الفنية العربية والعالمية التي زارت بغداد.
وعلى مدى أكثر من أربعين عاماً لم يكن علي عيسى مجرد مصور يؤدي مهمة مهنية، بل تحول إلى حافظ للذاكرة الفنية العراقية. فالأرشيف الضخم الذي جمعه عبر آلاف الصور يمثل سجلاً بصرياً نادراً لتاريخ دائرة السينما والمسرح والإذاعة والتلفزيون. كما أنه عاش لحظات خطرة عندما خاطر بحياته عام 2003 لإنقاذ هذا الأرشيف من الضياع خلال أعمال السلب والنهب التي شهدتها بغداد آنذاك.
صحيفة الزوراء زارت المصور علي عيسى في مقر عمله بدائرة السينما والمسرح، فكان هذا الحوار الذي يستعيد فيه البدايات الأولى مع الكاميرا، ويتحدث عن أبرز المحطات التي عاشها في مسيرته المهنية، وعن علاقته بالفنانين العراقيين والعرب، وعن رؤيته لمستقبل الصورة الفوتوغرافية في توثيق الفن العراقي.
* نرحب بك أستاذ علي عيسى ونشكرك على إتاحة هذه الفرصة للحديث عن تجربتك الطويلة في عالم التصوير.
ــ  أهلاً وسهلاً بجريدة الزوراء التي نعتز بها كثيراً، فهي من الصحف التي وثقت حياة الفنانين والأدباء والمثقفين وأسهمت في حفظ جانب مهم من الذاكرة الثقافية للعراق.
* بداية نود أن نتعرف أولاً على بطاقتك الشخصية.
ــ اسمي الكامل علي عيسى عليوي النصراوي، لكنني عُرفت صحفياً باسم علي عيسى. ولدت في بغداد بمنطقة الكرادة عام 1954، وأنا متزوج ولدي أربعة أولاد. درست فن التصوير وحصلت على دبلوم فن من ألمانيا الغربية، وعملت طوال حياتي المهنية في مجال التصوير الفوتوغرافي.
*  متى بدأت علاقتك الأولى مع الكاميرا؟
ــ بدأت علاقتي مع التصوير منذ وقت مبكر جداً، في ستينيات القرن الماضي عندما كنت تلميذاً في الصف الثالث الابتدائي. كان يأتي إلى مدرستنا مصور يحمل كاميرا قديمة لالتقاط الصور الجماعية للطلبة، وكنت أنظر إليه بإعجاب كبير. تلك الكاميرا أثارت فضولي كثيراً، وكنت أتساءل كيف يمكن لهذا الجهاز الصغير أن يلتقط تلك الصور الجميلة التي تبقى معنا لسنوات طويلة.
*  وكيف تحولت تلك الرغبة إلى ممارسة حقيقية للتصوير؟
ــ  الفضل في ذلك يعود إلى خالي المصور الراحل علي المطيري. كان يمتلك استوديو للتصوير الفوتوغرافي في بداية شارع السعدون يحمل اسم «سبورت»، وكان من المصورين المعروفين في بغداد، حيث كان يصور الملوك والمسؤولين وكبار الشخصيات. لاحظت والدتي شغفي بالكاميرا فطلبت منه أن يأخذني معه إلى الاستوديو كي أتعلم المهنة. منذ ذلك الوقت بدأت أتردد على الاستوديو وأراقب خالي وهو يعمل، وأتابع كيف يستخدم الكاميرا ويتعامل مع الضوء والزوايا.
*  هل حصلت على كاميرا خاصة بك في تلك الفترة؟
ــ  نعم، بعد فترة من التدريب والمراقبة أهداني خالي كاميرا من نوع «رول فلكس» بحجم 120. كانت تلك لحظة مهمة في حياتي. بدأت أصور أفراد العائلة أولاً ثم الأصدقاء وبعض مشاهد شارعنا. وكانت النتائج مقبولة بالنسبة لشاب يتعلم المهنة. وكان خالي يساعدني في تحميض الأفلام وطبع الصور، مما زاد من حماسي للاستمرار في هذا المجال.
*  كيف انتقلت من الهواية إلى العمل المهني؟
ــ في عام 1977 كانت هناك فرصة للعمل في دائرة السينما والمسرح، وكان اسمها آنذاك مصلحة السينما والمسرح. كان والدي يعرف مدير الحسابات في الدائرة خضير الوزان، فاقترح عليّ أن أتقدم للعمل هناك. ذهبت إلى الدائرة وتم تقديمي إلى مدير الإعلام عباس علي مصطفى، حيث خضعت لاختبار في التصوير، والحمد لله نجحت في الاختبار وتم تعييني كمصور صحفي وإعلامي في الدائرة.
* هل كان التصوير في المسرح يختلف عن التصوير الصحفي العادي؟
ــ  بالتأكيد، هناك فرق كبير. التصوير المسرحي يتطلب مهارات خاصة لأن الإضاءة تكون خافتة أحياناً، كما أن حركة الممثلين سريعة ومتغيرة. لذلك كان عليّ أن أتعلم كيفية التحكم بسرعة الكاميرا والعدسات والضوء. في البداية كان الأمر صعباً، لكن مع الممارسة بدأت أكتسب الخبرة.
* ما أول عمل مسرحي قمت بتصويره؟
- أول مسرحية صورتها بشكل ناجح كانت «بيت برنالدا ألبا» التي أخرجها الفنان سامي عبد الحميد وقدمت على خشبة المسرح الحديث في الباب المعظم عام 1978. يومها شعرت بشيء من الرهبة لأنني كنت أمام عمالقة الفن العراقي مثل ناهدة الرماح ويوسف العاني وفاضل خليل والدكتورة عواطف نعيم. كانت مهمة صعبة بالنسبة لي، لكنني بذلت جهداً كبيراً.
* وهل نجحت التجربة؟
ــ الحمد لله نجحت. بعد انتهاء العرض قمت بتحميض الأفلام وطباعة الصور وكانت النتائج جيدة جداً، الأمر الذي نال إعجاب إدارة قسم المسرح. ومن تلك اللحظة بدأت أشعر أنني أسير في الطريق الصحيح نحو الاحتراف.
* كيف تنظر إلى مهنة التصوير الفوتوغرافي؟
ــ  أعدّها من أصعب المهن وأجملها في الوقت نفسه. فهي تتطلب دقة ومهارة ووعياً فنياً، كما أنها تمنح المصور متعة خاصة عندما ينجح في التقاط لحظة لا تتكرر. الصورة الفوتوغرافية ليست مجرد لقطة، بل هي وثيقة تاريخية يمكن أن تحكي قصة كاملة.
* حدثنا عن عملك مع الإذاعة والتلفزيون؟
ــ  بحكم قرب دائرة السينما والمسرح من دائرة الإذاعة والتلفزيون في بغداد، كنت كثير التردد على استوديوهات الإذاعة والتلفزيون. كان العديد من المخرجين يطلبون مني تصوير أعمالهم، ولذلك شاركت في تصوير عدد كبير من التمثيليات والبرامج والمسلسلات. أستطيع القول إنني صورت أكثر من سبعين بالمئة من الأعمال الإذاعية والتلفزيونية التي قدمت في تلك الفترة.
* وهل صورت أيضاً كبار الفنانين العراقيين؟
ــ  نعم، صورت معظم عمالقة الفن العراقي مثل حقي الشبلي وإبراهيم جلال ويوسف العاني وجاسم العبودي وفتحي زين العابدين ومحسن العزاوي والراحل فيصل الياسري وغيرهم. كما صورت أعمال الفرقة القومية للتمثيل ومعظم نشاطات أكاديمية الفنون الجميلة ومعهد الفنون الجميلة.
*  أين تحتفظ بكل هذا الأرشيف الكبير؟
ــ  احتفظ به في قسم التصوير بدائرة السينما والمسرح، وهو محفوظ بطريقة «النيكتف» منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم. هذا الأرشيف يمثل تاريخاً مهماً للفن العراقي.
* عشت تجربة خطرة خلال أحداث عام 2003، حدثنا عنها.
ــ  بالفعل كانت تجربة صعبة. عندما بدأت أعمال السلب والنهب في بغداد عام 2003 قررت أن أذهب إلى دائرة السينما والمسرح في الصالحية لحماية الأرشيف. خرجت من منزلي في مدينة الصدر ووصلت إلى الدائرة بعد جهد كبير.
 دخلت المبنى مع السارقين وكأنني واحد منهم. كانوا يسرقون الأجهزة والمعدات، لكنهم لم يكونوا يدركون قيمة الأشرطة والأفلام. كنت أجمعها بهدوء بينما بعضهم ينصحني بسرقة الكاميرات. 
في النهاية تمكنت من إخراج الأرشيف رغم أزيز الرصاص والخوف الذي كان يملأ المكان.
* كم معرضاً فوتوغرافياً أقمت حتى الآن؟
ــ  أقمت أكثر من أربعة وثمانين معرضاً فوتوغرافياً داخل العراق وخارجه. وكان آخر معرض لي عن السينما العراقية أقيم في عام 2017. هذه المعارض كانت فرصة لعرض جانب من الأرشيف الذي جمعته خلال مسيرتي.
* نلاحظ أن لديك صوراً مع عدد كبير من الفنانين العرب والعالميين؟
ــ  نعم، فقد كنت مسؤولاً عن تصوير الوفود الفنية التي تزور العراق منذ سبعينيات القرن الماضي. صورت الفنان العالمي أنطوني كوين عندما جاء إلى العراق لتصوير فيلم اليرموك، كما صورت المخرج مصطفى العقاد ورافقت أنطوني كوين أربعة أيام كمصور صحفي. كذلك صورت عادل إمام وسعاد حسني ومحمود ياسين وحسين فهمي وعبد الله غيث وغيرهم من الفنانين العرب.
* وماذا عن حفلات الإذاعة والتلفزيون؟
ــ صورت معظم تلك الحفلات، ومنها حفلات لفنانين كبار مثل وديع الصافي وطروب وفريد شوقي وغيرهم. كما رافقت الفنانة سعاد حسني والفنان عزت العلايلي أثناء تصوير فيلم القادسية في العراق.
*  ماذا عن الجوائز التي حصلت عليها؟
ــ  حصلت على عدد كبير من الجوائز في مهرجانات ومسابقات مختلفة داخل العراق وخارجه. من بينها جائزة في مهرجان تونس للترويج المسرحي للصورة الفوتوغرافية، وجوائز في مهرجانات أقيمت في دمشق وعمان وبغداد. كما فزت في استفتاء وزارة الثقافة في التسعينيات ضمن أفضل المصورين في العراق.
*  ما موقعك في دائرة السينما والمسرح عندما كنت داخل الخدمة ؟
ــ كنت رئيسا لقسم التصوير في الدائرة، وأشرف على فريق من المصورين إضافة إلى الأرشيف الكبير الذي نحتفظ به.
* ما المشروع الذي تفكر في إنجازه مستقبلاً؟
ــ  أتمنى أن أتمكن من إصدار كتاب كبير عن المسرح العراقي يعتمد على الأرشيف الذي أملكه. 
أطمح أن يكون الكتاب في نحو خمسمئة صفحة ويضم صوراً وتوثيقاً لأهم المسرحيات العراقية مع معلومات عن المخرجين والممثلين المشاركين فيها، ليكون مرجعاً للأجيال القادمة.
*  بعد أربعين عاماً من العمل، ما الشيء الذي تعتز به أكثر من غيره؟
ــ  أعتز بأنني أصبحت جزءاً من تاريخ دائرة السينما والمسرح. لقد وثقت معظم نشاطاتها الفنية، وأصبح لدينا أرشيف عراقي وعربي ودولي مهم، لأنني رافقت الوفود الفنية التي زارت العراق من مختلف البلدان.
* ما نصيحتك للمصورين الشباب اليوم؟
ــ مهنة التصوير ليست مجرد مهارة تقنية، بل هي أيضاً مهنة أخلاقية. على المصور أن يتحلى بالأخلاق الرفيعة وهو يتعامل مع الناس ومع المجتمع. عندما يكون المصور صادقاً ومخلصاً لعمله ستعكس صوره هذا الصدق والجمال.
* كلمة أخيرة تود أن تقولها في ختام هذا الحوار.
 ــ  أشكركم في الزوراء على هذه الزيارة وعلى اهتمامكم بتوثيق تجارب العاملين في المجال الثقافي والفني، وأتمنى أن أواصل عملي في خدمة ذاكرة الفن العراقي.


تابعنا على
تصميم وتطوير