رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
كيف تدار المجتمعات بالدعاية ؟


المشاهدات 1107
تاريخ الإضافة 2026/03/08 - 9:37 PM
آخر تحديث 2026/03/09 - 1:51 PM

تاليف : إدوارد بيرنايز
ينطلق إدوارد بيرنايز من أطروحة صادمة مفادها أن المجتمعات الديمقراطية الحديثة لا تُحكم فعليًا عبر الإرادة الحرة للجماهير، بل عبر توجيه منظم للرأي العام تقوم به نخب خفية تمتلك المعرفة بآليات التأثير النفسي والاجتماعي. ويعتبر أن الدعاية (Propaganda) ليست انحرافًا عن الديمقراطية، بل شرطًا من شروط عملها في مجتمعات الجماهير المعقدة، حيث يستحيل على الفرد الإحاطة بكل القضايا، فيُعاد تشكيل وعيه بصورة منهجية. يفتتح بيرنايز كتابه بفكرة أن المجتمع الحديث بطبيعته فوضوي ومعقّد، وأن الدعاية تمثل أداة عقلنة وتنظيم لهذه الفوضى. فالتوجيه الواعي للرأي العام ضروري، في نظره، للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
يميّز بين الدعاية التقليدية المباشرة والدعاية الحديثة غير المرئية، التي تعمل عبر الرموز، والعادات، والصور الذهنية، لا عبر الأوامر الصريحة. الدعاية الجديدة أكثر فعالية لأنها تبدو طبيعية وغير مفروضة. يحدد بيرنايز فئة جديدة من الفاعلين الاجتماعيين: خبراء العلاقات العامة، المستشارون، الصحفيون، الأكاديميون، وقادة الرأي. هؤلاء يشكلون شبكة غير رسمية تتحكم في الاتجاهات العامة دون أن تظهر كسلطة سياسية. يعتمد بيرنايز على علم النفس الجماهيري، خاصة أفكار غوستاف لوبون وسيغموند فرويد، ليؤكد أن الجماهير تُقاد بالعواطف والرموز أكثر من العقل. لذلك، فإن مخاطبة اللاوعي الجمعي شرط أساسي للتأثير. يرى أن الشركات لا تبيع السلع فقط، بل تبيع أنماط حياة وقيمًا اجتماعية. الدعاية هنا تُستخدم لصناعة القبول الاجتماعي للمنتَج وربطه بالهوية والنجاح والحداثة.
يناقش استخدام الدعاية في السياسة بوصفها أداة لا غنى عنها للقيادة الديمقراطية. القائد، في نظر بيرنايز، لا ينتظر الرأي العام بل يصنعه ويوجهه كي يحافظ على الاستقرار.
يتناول دور النساء كهدف وفاعل في الدعاية، ويحلل كيف تُستخدم الحركات النسوية والاستهلاك النسوي لإعادة تشكيل الأدوار الاجتماعية بما يخدم المصالح الاقتصادية والسياسية. يرى أن التعليم ذاته لا يخلو من الدعاية، إذ تُستخدم المناهج والمؤسسات التعليمية لغرس قيم واتجاهات معينة تحت غطاء الحياد العلمي. حتى العمل الخيري والخدمات الاجتماعية، بحسب بيرنايز، تعتمد على تقنيات الدعاية لحشد الدعم وتوجيه التعاطف العام، ما يبرز شمولية الدعاية في كل مجالات الحياة.
يحلل توظيف الفن والعلم كوسائل إقناع، حيث يُستخدم الفن لإثارة العاطفة، ويُستثمر العلم لإضفاء الشرعية والموضوعية على الرسائل الدعائية.
يختم بشرح الأدوات العملية: تكرار الرسائل، صناعة الأحداث، توظيف الإعلام، استخدام الشخصيات المؤثرة، وبناء السرديات التي تبدو تلقائية لكنها مُخططة بعناية.
لاقى الكتاب اهتمامًا واسعًا وتأثيرًا عميقًا في مجالات الإعلام والعلاقات العامة، لكنه أثار أيضًا انتقادات حادة. رأى نقاده أن بيرنايز يبرّر التلاعب بالجماهير ويمنحه غطاءً ديمقراطيًا زائفًا، بينما اعتبره مؤيدوه توصيفًا واقعيًا لكيفية اشتغال السلطة في المجتمعات الحديثة.
يكشف الكتاب أن الديمقراطية الحديثة لا تقوم فقط على حرية الاختيار، بل على هندسة الرغبات والآراء. وهو يضع القارئ أمام سؤال أخلاقي مركزي: هل يمكن التوفيق بين التلاعب الواعي بالجماهير ومفهوم الحرية السياسية؟
يُعد الكتاب نصًا تأسيسيًا في فهم السلطة الرمزية في العصر الحديث. فهو لا يكتفي بوصف الدعاية، بل يشرعنها بوصفها أداة ضرورية لإدارة المجتمعات الديمقراطية، ما يجعله عملًا بالغ الأهمية والخطورة في آن واحد، ولا يزال مرجعًا أساسيًا لفهم الإعلام والتلاعب بالرأي العام حتى اليوم.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير