رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
التشكيلي زاهد الجيزاني حين يتحوّل المكان البغدادي إلى ذاكرة زيتية نابضة


المشاهدات 1112
تاريخ الإضافة 2026/03/08 - 9:35 PM
آخر تحديث 2026/03/09 - 1:31 PM

هناك فنانون يرسمون ما يرونه، وآخرون يرسمون ما يشعرون به، لكن قلةً منهم يذهبون إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إلى ما يتداعى بصمت، إلى الأمكنة التي انسحبت من الضوء واستقرت في زاوية مهملة من الذاكرة. في هذا الأفق يتشكل مشروع الفنان التشكيلي العراقي زاهد الجيزاني، بوصفه مشروعاً جمالياً وإنسانياً يسعى إلى أرشفة المكان العراقي قبل أن يبتلعه الاندثار. إنه لا يتعامل مع “البيت القديم” بوصفه جداراً متشقّقاً، ولا مع “الزقاق” بوصفه ممراً ضيقاً، بل يراهما كائنين حيّين يحملان آثار أقدام الذين مرّوا، وأنفاس الذين سكنوا، ودفء العائلات التي شكّلت نسيج المجتمع البغدادي في زمن الألفة والبساطة. منذ سنوات دراسته في أكاديمية الفنون الجميلة – بغداد، حيث تخرّج عام 2001، تشكّلت لدى الجيزاني رؤية واضحة تجاه الرسم الواقعي، لا بوصفه تقليداً فوتوغرافياً، بل باعتباره قراءة عميقة للبيئة المكانية. وقد عزّزت عضويته في نقابة الفنانين العراقيين وجمعية التشكيليين العراقيين – بغداد حضوره في المشهد التشكيلي، ومنحته مساحة أوسع لعرض مشروعه الذي يتكئ على المكان بوصفه بطلاً رئيساً في اللوحة.
المكان بوصفه ذاكرة جمعية
يرى الجيزاني أن البيوتات القديمة، الأزقة البغدادية، الخانات المهجورة، ليست أطلالاً صامتة، بل ذاكرة جمعية تتنفس. تلك الأمكنة التي كانت يوماً ما تمثل ألفة المجتمع العراقي، ومأوى العائلات ذات الدخل البسيط، ما تزال في بعض مناطق بغداد – في الكرخ والرصافة – تقاوم النسيان. وفي هذا السياق، لا يذهب الفنان إلى المكان بصفته زائراً عابراً، بل بصفته شاهداً ومؤرخاً جمالياً. إنه يعيش المكان صباحاً ومساءً، يراقب انعكاس الضوء، يتتبع زوايا النور والظل، يشم رائحة التراب، ويصغي إلى الصمت الذي يعلو فوق أكوام الركام. في هذه التفاصيل الصغيرة تتجلى رؤيته لما يسميه “جماليات المكان”، حيث تتحول التشققات إلى خطوط تعبير، والنوافذ العتيقة إلى عيون تراقب الزمن، والممرات الضيقة إلى شرايين تضخ حياة غابرة في جسد المدينة.
هذا الاشتغال لا يأتي من حنين عابر، بل من إحساس روحي بالارتباط. فالفنان يجد في هذه الأزقة ألفة خاصة، وكأنها امتداد لروحه. لذا يحرص على زيارتها مراراً، والتقاط صور فوتوغرافية متعددة لها، ليعود إلى مرسمه محمّلاً بمخزون بصري وعاطفي يعيد صياغته على سطح القماشة الزيتية.
بين العدسة والفرشاة… مشروع أرشفة جمالية
لا ينحصر مشروع الجيزاني في الرسم وحده، بل يمتد إلى التصوير الفوتوغرافي بوصفه أداة توثيق أولى. إنه يضع المكان في مخيلته، ثم يذهب إليه، يلتقطه في أكثر من لقطة، ويعيد تأمله في أوقات مختلفة من اليوم. الصباح يمنحه ضوءاً ناعماً يكشف الملامح، والمساء يهبُه ظلالاً عميقة تعمّق الإحساس بالكآبة الجميلة التي تلازم هذه البيئات الآيلة للاندثار.
هذه العملية المزدوجة – بين الكاميرا واللوحة – ليست ترفاً تقنياً، بل جزءاً من مشروع واعٍ يسعى إلى إعادة إنتاج المكان جمالياً. فهو يدرك أن كثيراً من هذه الأبنية قد تختفي تحت وطأة التحديث أو الإهمال، لذلك يرى في عمله نوعاً من المقاومة الهادئة ضد النسيان. إنه يحاول أن يمسك بالجماليات الحقيقية في هذا المزيج المكاني؛ الأزقة القديمة، حركة الناس، تعابير الوجوه، مرح الصبية، وكل ما يشير إلى حياة كانت هنا. الرؤية الأكاديمية… صرامة التقليد وتحديث النظرة يؤكد الجيزاني أن الرؤية الواضحة في العمل الفني هي الأساس في التنفيذ، وأن هذه الرؤية لا تتشكل إلا عبر الدراسة والتجربة وتراكم الخبرات. سنوات التلقي في الأكاديمية منحته قاعدة صلبة في الرسم الواقعي، وأكسبته صرامة في التعامل مع المنظور والبناء اللوني. لكنه، في الوقت ذاته، لم يقف عند حدود التقليد الأكاديمي، بل سعى إلى تطوير زاوية نظر محدثة في إعادة إنتاج اللوحة الواقعية.
هنا تكمن خصوصيته؛ فهو يرث من الرواد قدرة الدرس الأكاديمي، لكنه يضيف إليها حساسية معاصرة تجاه المكان. لا يرسم الواقع كما هو، بل كما يُرى من زاوية مهملة في النظر الاعتيادي. إنه يفتش عن التفاصيل التي قد لا يلتفت إليها العابر: انعكاس الضوء على جدار متآكل، ظل شباك خشبي على أرضية ترابية، انحناءة باب قديم كأنه ينحني تحت ثقل الزمن. ويرى أن الأعمال الواقعية هي الأصعب رؤيةً وتنفيذاً، لأنها تتطلب قراءة دقيقة للمساحات وملء الفراغات، ومعاينة التفصيلات عبر تقمص زوايا النظر المختلفة. فاللوحة الواقعية، في نظره، ليست نقلاً آلياً، بل بناءً معقداً يحتاج إلى وعي عميق بالضوء والظل والحركة.
الواقعية والتجريد… جدلية المساحة الفنية
في خضم الجدل الدائم بين التجريد والواقعية في الرسم العراقي، يتخذ الجيزاني موقفاً متوازناً. فهو لا ينكر أهمية التجريد، بل يرى أن بداية أي لوحة هي لحظة تجريد، حيث تتشكل الفكرة الأولى في الذهن قبل أن تتجسد في هيئة ملموسة. ومع ذلك، يظل العمل الواقعي ببصمته المكانية عملاً شاقاً يتطلب جهداً مضاعفاً.
لكل رسام – كما يقول – مساحته التي يجيد العمل فيها، ومن الممكن الترحيل إلى التجريد، لكن الأهم هو الصدق في التجربة. بالنسبة له، تبقى البيئة المكانية القديمة مصدر إلهامه الأول، حتى وإن بدت ألوانه قاتمة أو مشبعة بشيء من الكآبة. فهذه الكآبة ليست افتعالاً جمالياً، بل انعكاس طبيعي لأحياء قديمة آيلة للاندثار.
إنه لا يسعى إلى تزيين الواقع أو تجميله قسراً، بل إلى كشف جماله الكامن في هشاشته. فالجدار المتشقق يحمل تاريخاً، والباب الصدئ يحتفظ بذكريات، والظل العميق يشي بحكايات لا تُروى. في هذا السياق، يصبح الرسم فعلاً تأملياً، ومحاولة لفهم الزمن من خلال أثره على المكان.
حضور في المشهد التشكيلي العراقي
حظيت تجربة الجيزاني بحضور واضح في عدد من المعارض المشتركة داخل العراق. فقد شارك في معارض أقيمت في قاعات فنية ببغداد والسليمانية، وأسهم في فعاليات فنية نظمتها مؤسسات ثقافية رسمية وأهلية. ومن بين مشاركاته معارض أقيمت في مركز بغداد للفنون، وقاعات فنية احتضنت تجارب جماعة الطبيعة، فضلاً عن مشاركته في فعاليات فنية برعاية وزارة الثقافة. هذا الحضور لم يكن مجرد مشاركة شكلية، بل مساحة لعرض مشروعه الواقعي الذي يعيد الاعتبار للمكان الشعبي والبغدادي تحديداً. ففي كل معرض، كانت لوحاته تفتح نافذة على زقاق قديم، أو قرية نائية، أو بستان يلامس النهر، أو مشهد من الأهوار، وكأنها تقول إن الجمال لا يسكن القصور وحدها، بل يتجلى أيضاً في بساطة الحياة اليومية.
قراءة مكانية تتشكل على سطح اللوحة
من يتأمل أعمال زاهد الجيزاني يدرك أن المكان ليس خلفية للأحداث، بل هو الحدث نفسه. فاللوحة عنده ليست سرداً لحكاية بشرية بقدر ما هي قراءة مكانية تتشكل جمالياً على سطح القماشة. ومع ذلك، يبقى الإنسان حاضراً، حتى وإن لم يظهر بوضوح؛ فهو موجود في أثره، في حركة الباب، في ظل نافذة، في درج حجري تآكل بفعل الأقدام. هذه القراءة المكانية تمنح أعماله بعداً توثيقياً وإنسانياً في آنٍ معاً. فهي توثق بيئات قد تختفي، لكنها أيضاً تستدعي الذاكرة الجمعية للمشاهد. من يرى لوحاته قد يستعيد بيتاً قديماً عاش فيه، أو زقاقاً لعب فيه طفولته، أو رائحة طين بعد مطر شتائي. في هذا التداخل بين الخاص والعام، بين الذاكرة الفردية والجماعية، تتشكل قيمة مشروعه. إنه لا يرسم لنخبة محددة، بل يلامس إحساساً مشتركاً لدى العراقيين تجاه أمكنتهم الأولى.
الفن بوصفه مقاومة للنسيان
تجربة زاهد الجيزاني هي، في جوهرها، محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ذاكرة المكان العراقي. إنها مقاومة صامتة للنسيان، واحتفاء بالجمال الكامن في الهامش.
 بين عدسة الكاميرا وفرشاة الزيت، وبين الدراسة الأكاديمية والتجربة الشخصية، يتشكل مشروع فني يؤمن بأن الواقعية ليست تكراراً للمرئي، بل اكتشافاً لجمالياته الخفية.
في زمن تتسارع فيه التحولات العمرانية، وتختفي فيه معالم كثيرة تحت وطأة الحداثة أو الإهمال، يصرّ الجيزاني على أن يمنح هذه الأمكنة حياة أخرى فوق سطح اللوحة. حياة لا تهدمها الجرافات، ولا تمحوها السنوات. وهكذا، تتحول الأزقة القديمة إلى أيقونات بصرية، وتصبح البيوتات البسيطة شاهداً جمالياً على زمن كان هنا… وما يزال ينبض في ذاكرة الفن.


تابعنا على
تصميم وتطوير