
يشكّل الفنان التشكيلي العراقي مطيع ياسين محمود الجميلي واحداً من أبرز الأسماء التي رسخت حضورها في المشهد الفني العربي عبر تجربة طويلة امتدت لأكثر من خمسة عقود مزج فيها بين التشكيل والخط العربي والشعر والهوية الرافدينية. ولد في مدينة الفلوجة عام 1957 على ضفاف نهر الفرات داخل بيئة ثقافية استثنائية كان الشعر فيها لغة الحياة اليومية حيث نشأ وسط عائلة كاملة من الشعراء يتقدمهم والده المعروف بلقب شاعر الفرات الذهبي. هذه البيئة صنعت مبكراً حساسيته الجمالية وجعلت الحرف والكلمة أساساً لرؤيته الفنية التي ستتحول لاحقاً إلى مشروع بصري متكامل.
مطيع الجميلي منذ حصوله على دبلوم الرسم عام 1980 بدأ مسيرة حافلة بالمعارض الشخصية والمشاركات الدولية متنقلاً بين بغداد ودمشق والقاهرة وتونس وعمان وباريس وغيرها من العواصم مقدماً تجربة خاصة تقوم على تحويل قصائد كبار الشعراء العرب إلى لوحات وجداريات تنطق باللون والخط. وقد جمع في أعماله بين التراث السومري والبابلي وروح الشعر العربي المعاصر ليخلق خطاباً بصرياً يربط الماضي بالحاضر ويمنح الحرف العربي طاقة تعبيرية جديدة. حاز خلال مسيرته عضويات فنية وثقافية عربية ودولية وشارك في عشرات المعارض العالمية ونفذ جداريات وأعمالاً فنية في فنادق ومؤسسات عربية وعالمية كما نال العديد من الأوسمة والقلائد تقديراً لمنجزه الفني. ويعد الجميلي اليوم مدرسة تشكيلية قائمة بذاتها استطاعت أن تذيب الحدود بين الشعر والفن وأن تقدم الهوية العراقية بلغة عالمية معاصرة.
في هذا الحوار يتحدث الفنان مطيع الجميلي عن بداياته وتأثير البيئة الشعرية في تجربته ورحلته مع الحرف العربي ورؤيته للفن والهوية ومستقبل التشكيل العراقي.
* كيف بدأت علاقتك الأولى بالفن وسط عائلة يغلب عليها الشعر أكثر من الرسم؟
ــ ولدت في بيت كان الشعر فيه هو الهواء الذي نتنفسه فجدي ووالدي وإخوتي جميعهم شعراء وكان مجلس والدي ملتقى للمثقفين لذلك تشكل وعيي الجمالي من الكلمة قبل الصورة وعندما بدأت الرسم لم أشعر أنني أترك الشعر بل كنت أبحث عن طريقة أخرى لكتابته باللون والخط
* هل يمكن القول إن الشعر كان الأساس الحقيقي لمشروعك التشكيلي
ــ بالتأكيد لأنني لم أتعامل مع اللوحة كمساحة بصرية فقط بل كقصيدة صامتة ولهذا كتبت قصائد الشعراء العرب على جدران اللوحات وحاولت أن أجعل اللون ينطق بالمعنى كما ينطق البيت الشعري بالإحساس.
* نشأتك على ضفاف الفرات ماذا أضافت إلى رؤيتك الفنية؟
ــ الفرات منحني الإيقاع والهدوء والحنين فالماء علمني الانسياب والطبيعة علمتني التأمل لذلك تجد حضور البيئة العراقية واضحاً في أعمالي حتى عندما أعرض خارج العراق لأن الفنان يحمل مكانه داخله أينما ذهب.
* متى شعرت أنك دخلت الاحتراف الحقيقي في الفن؟
ــ بعد حصولي على دبلوم الرسم عام 1980 بدأت أشعر بمسؤولية التجربة خصوصاً بعد انضمامي إلى نقابة الفنانين وجمعية التشكيليين والخطاطين إذ أصبحت جزءاً من حركة فنية واسعة تطلبت مني تطوير أدواتي باستمرار.
* أقمت معارض كثيرة في عواصم عربية وعالمية ماذا أضافت لك التجربة الخارجية؟
ــ السفر علمني أن الفن لغة مشتركة وأن الهوية المحلية تصبح أكثر وضوحاً عندما تعرض أمام الآخر فكل معرض خارج العراق كان فرصة لاكتشاف نفسي من جديد وتقديم الثقافة العراقية بصورة معاصرة.
* مشروعك في كتابة قصائد الشعراء داخل اللوحات كان لافتاً كيف بدأت فكرته؟
ــ بدأت الفكرة من إحساسي بأن القصيدة العربية تحمل طاقة بصرية كبيرة فاخترت نصوصاً للجواهري ونزار قباني والفيتوري والماغوط وغيرهم وحاولت تحويلها إلى فضاءات لونية تجعل المشاهد يقرأ النص بعينه وقلبه في آن واحد.
* لماذا اخترت الحرف العربي تحديداً كوسيط تعبيري أساسي؟
- الحرف العربي ليس شكلاً جمالياً فقط بل تاريخ وهوية وروح حضارية وعندما أعمل عليه أشعر أنني أستحضر آلاف السنين من الذاكرة لذلك أصبح الحرف عندي مادة تشكيلية حية تتنفس داخل اللوحة.
* النقاد وصفوك بأنك فنان يتتبع الأثر ماذا يعني الأثر في تجربتك ؟
ــ الأثر هو ما يتركه الإنسان في الزمن وأنا أبحث عن أثر الحضارات العراقية القديمة وعن أثر الشعر في الوجدان وعن أثر التجربة الشخصية في العمل الفني لذلك تأتي لوحاتي وكأنها طبقات زمنية متراكمة.
* قدمت أيضاً أعمالاً نحتية كيف ترى العلاقة بين الرسم والنحت ؟
ــ النحت يمنحني إحساساً بالكتلة والفراغ وهو امتداد طبيعي للرسم لأن الفنان الحقيقي لا يكتفي بوسيط واحد بل يبحث عن التعبير الأنسب للفكرة ولهذا قدمت أعمالاً نحتية في معارضي منذ عام 2001 .
* شاركت في معارض عالمية عديدة هل تغيرت نظرة الجمهور للفن العربي خلال السنوات الأخيرة ؟
ــ نعم أصبح هناك اهتمام أكبر بالفن العربي خاصة عندما يقدم بلغة معاصرة تحافظ على الجذور لأن العالم يبحث اليوم عن الخصوصية وليس عن التقليد.
* كيف تنظر إلى تجربتك بعد أكثر من خمسين عاماً من العمل الفني؟
ــ أراها رحلة بحث مستمرة ولم أصل إلى النهاية بعد فالفن لا يمنحك لحظة اكتفاء بل يدفعك دائماً إلى التجريب واكتشاف مساحات جديدة .
* ما الذي يميز الفنان العراقي برأيك ؟
ــ الفنان العراقي يحمل إرثاً حضارياً عميقاً يبدأ من سومر وبابل لذلك لديه حس تاريخي مختلف يجعله قريباً من الرموز والأساطير والذاكرة الجمعية .
* عملت في تصميم الأوسمة والديكورات المسرحية وأغلفة الكتب هل أثرت هذه التجارب على لوحتك ؟
ــ بالتأكيد لأنها وسعت رؤيتي وجعلتني أفكر في العلاقة بين الفن والحياة اليومية فالفنان يجب أن يكون حاضراً في المجتمع وليس معزولاً داخل مرسمه .
* كيف ترى دور المؤسسات الثقافية في دعم الفن التشكيلي ؟
ــ المؤسسات ضرورية لأنها توفر فضاءات العرض والحوار لكن الفنان الحقيقي يعتمد أولاً على إيمانه بتجربته واستمراره في العمل مهما كانت الظروف .
* احتفت بك المنظمة العالمية للإبداع من أجل السلام ماذا يعني لك هذا التكريم ؟
ــ أراه تقديراً للفن العراقي قبل أن يكون تكريماً شخصياً لأن أي إنجاز أحققه هو امتداد لثقافة بلدي وتاريخه الفني.
* ماذا تقول عن العلاقة بين الفن والهوية العربية في أعمالك ؟
ــ الهوية ليست شعاراً بل ممارسة يومية وأنا حاولت أن أعبر عنها من خلال الحرف والشعر والتاريخ العربي بحيث يشعر المتلقي أن اللوحة تنتمي إليه مهما كان مكانه .
* كيف تتعامل مع اللون أثناء العمل ؟
ــ أتعامل معه كما يتعامل الشاعر مع المفردة أحياناً يكون صاخباً وأحياناً هامساً المهم أن ينسجم مع الإيقاع الداخلي للفكرة .
* هل تؤمن بالتجريب المستمر في الفن ؟
ــ نعم لأن الجمود يعني نهاية الفنان وأنا دائماً أبحث عن طرق جديدة سواء في الكرافيك أو الخط أو التكوين اللوني للوصول إلى صيغة أكثر صدقاً .
* ما النصيحة التي تقدمها للفنانين الشباب ؟
ــ أن يقرأوا كثيراً وأن يعرفوا تاريخهم الفني جيداً لأن التقنية وحدها لا تصنع فناناً بل الوعي والثقافة والصدق مع الذات.
* كيف ترى مستقبل الفن التشكيلي العراقي ؟
ــ رغم الصعوبات أنا متفائل لأن العراق مليء بالمواهب الشابة وإذا توفرت لها الفرص ستقدم تجارب مهمة قادرة على إعادة الحضور العراقي إلى المشهد العالمي .
* ماذا بقي في حلم مطيع الجميلي ولم يتحقق بعد ؟
ــ ما زلت أحلم بإنجاز مشروع بصري كبير يجمع الشعر العربي بتاريخ الحضارة العراقية في فضاء مفتوح يراه الناس ككتاب حي يقرأونه بالعين والروح.
بهذا الحوار تتجلى تجربة الفنان مطيع الجميلي بوصفها رحلة بحث دائمة عن المعنى والجذور حيث يتحول الحرف إلى ذاكرة واللون إلى قصيدة ويغدو الفن جسراً بين الماضي والحاضر وبين الإنسان وهويته الثقافية. إذا رغبت أستطيع أيضاً إعداد نسخة مختصرة للنشر الصحفي أو صياغتها بأسلوب صفحة ثقافية جاهزة للطباعة.