
تردد اسم الملياردير الأمريكي «جيفري إبستين» وقضية فساده المدوية والعابرة للحدود بشكل مكثف في وسائل الإعلام الدولية خلال الأيام الأخيرة. وبينما تسعى المنصات الإعلامية الغربية جاهدةً للتملص من تقديم قراءة منهجية وجذرية لهذه القضية، ومحاولة اختزالها في إطار «حادث مأساوي» أو «ظاهرة استثنائية»، يبرز إلحاح ملحّ لتبني نظرة «سياقية شاملة» تتجاوز السرد السطحي للقضية.
وفي هذا الصدد، ثمة نقاط جوهرية تستوجب الوقوف عندها:
أولاً: لا يمكن اختزال قضية «جيفري إبستين» في كونها مجرد فضيحة أخلاقية أو انحراف سلوكي فردي، بل هي في جوهرها أحد أكثر النماذج تجلياً لتشابك السلطة والثروة والفساد مع الحصانة السياسية داخل بنية الليبرالية الديمقراطية الغربية. هذه البنية التي سوق لها الغرب لعقود كنموذج عالمي يحتذى به في الشفافية وسيادة القانون والأخلاق السياسية، بدت عاجزة تماماً —أو فاقدة للإرادة— في مواجهة هذه المعضلة. لم يكن إبستين شخصية هامشية، بل كان يتمتع بنفوذ واسع مكنه من اختراق النخب السياسية والمالية والأكاديمية في أمريكا وأوروبا. إن التواجد المتواتر لسياسيين رفيعي المستوى، ومليارديرات، وأكاديميين بارزين في محيطه، يبرهن على وجود شبكة نفوذ عملت لسنوات تحت غطاء «الحصانة القانونية». والسؤال الجوهري هنا: كيف تسنى لهذه الشبكة، بكل ما يحيط بها من شواهد وتقارير، أن تظل بمنأى عن الرقابة والملاحقة القضائية الجادة؟
تكمن الإجابة في مفهوم «الفساد البنيوي»؛ حيث لا تقتصر المشكلة على انحراف فردي، بل في نظام يحمي هذا الانحراف ويوفر له البيئة الحاضنة. لقد أثبتت هذه القضية أن مبدأ «المساواة أمام القانون» في الديمقراطيات الغربية لا يزال شعاراً نظرياً؛ إذ يمكن للثروة والنفوذ تعطيل ميزان العدالة. كما أن وسائل الإعلام الرئيسية، وعوضاً عن تقصي جذور القضية، غالباً ما تكتفي بتقديم روايات سطحية ومسيطر عليها. تتمثل النقطة الثانية في أن أحد أبرز أبعاد هذه القضية هو صبغتها الأمنية؛ إذ تشير شواهدُ متعددة، من بينها إفادات لصحفيين استقصائيين ووثائق غير رسمية، إلى أن «إبستين» لم يكن مجرد مرتكب جرائم جنسية فحسب، بل كان يعمل ضمن إطار شبكة أوسع نطاقاً، تهدف إلى جمع معلومات حساسة عن السياسيين والنخب المنحرفة، بغرض تحويلها إلى أداة للضغط والابتزاز السياسي. وفي هذا الإطار، لا تُفسّر جزيرة «إبستين» بوصفها مجرد منتجع ترفيهي، بل تُؤول باعتبارها «غرفة عمليات» لهندسة النفوذ السياسي.
وفي السياق ذاته، يبرز موضوع ارتباط «إبستين» بجهاز «الموساد» كأحد أكثر أبعاد القضية إثارة للجدل، وفي الوقت ذاته، أكثرها حسمًا؛ ففي ظل هذه الظروف، تتجاوز قضية «إبستين» حدود الفضيحة المحلية الأمريكية لتنتقل إلى مستوى الألعاب الاستخباراتية العابرة للحدود. وفي ظل سيناريو كهذا، يتحول الفساد الأخلاقي إلى أداة للتحكم في القرارات السياسية، وتصبح استقلالية السياسيين عمليًا واقعة تحت ظلال التهديد بـ «الفضح والإفشاء».
ويأتي الغموض المحيط بوفاة «إبستين» داخل السجن ليكمل ملامح هذه الصورة؛ ففي بلدٍ يدعي امتلاك أكثر الأنظمة الأمنية والرقابية تطورًا، تظل وفاة سجين «فائق الحساسية» — في ظل ظروف تعطلت فيها الكاميرات وحدث خلالها فراغ رقابي — أمرًا يثير التساؤلات أكثر مما هو قابل للتصديق. لقد أدت هذه الوفاة عمليًا إلى سد الطريق أمام الكشف الكامل عن الحقيقة، وأقحمت الملف في مرحلة من الغموض الأبدي، مما أرسل رسالةً واضحةً للرأي العام مفادها: أن بعض الحقائق تترتب على كشفها أثمانٌ باهظة للغاية.
تتمحور النقطة الثالثة حول رد فعل النظام السياسي الأمريكي وهيكل السلطة في هذا البلد تجاه قضية إبستين؛ إذ إن رد فعل النظام السياسي الأمريكي حيال هذه القضية يبعث على التأمل حقاً. فقد أظهر الديمقراطيون والجمهوريون، على الرغم من خلافاتهم الحادة في أغلب القضايا، نوعاً من الحذر المشترك تجاه ملف إبستين.
وهذا التناغم غير المكتوب يثبت أن قضية إبستين ليست مجرد مسألة فئوية أو حزبية، بل هي تهديد لبنية السلطة برمتها؛ فمن شأن الإفصاح الكامل عنها أن يضع المشروعية السياسية والقضائية، بل وحتى الإعلامية للولايات المتحدة، أمام تحديات جسيمة. أما من المنظور الإعلامي، فقد مثلت قضية إبستين اختباراً كبيراً لحرية التعبير في الغرب؛ وهو الاختبار الذي جاءت نتائجه كارثية. فبدلاً من تقصي الطبقات العميقة للملف، اكتفت معظم وسائل الإعلام الرئيسية بروايات محدودة ومسيطر عليها. لقد أظهر هذا السلوك أن الحرية الإعلامية تصطدم هي الأخرى بخطوط حمراء غير مكتوبة عند النقطة التي تتعرض فيها مصالح نخب السلطة للخطر. أما النقطة الختامية، فتتمحور حول نظام الليبرالية الديمقراطية الغربية المزعوم، ومخرجاته على صعيد الأخلاق والسياسة. فعلى مستوىً كليّ، تُعدُّ قضية إبستين مؤشراً تحذيرياً صارخاً حول الأزمة الأخلاقية التي تعصف بالليبرالية الديمقراطية؛ إذ إن النظام الذي فصل الحرية عن المسؤولية الأخلاقية، وأفرغ السياسة من القيم الإنسانية، سيواجه حتماً مثل هذه الظواهر. فإبستين ليس مجرد استثناء، بل هو نتاجٌ منطقي لهذه البنية؛ البنية التي أصبحت فيها السلطة بلا أخلاق، والفساد بلا حدود، بمثابة القاعدة. إن قضية جيفري إبستين تحمل رسالة جلية للرأي العام العالمي، مفادها أن السياسة بمعزل عن الأخلاق ستصطدم —عاجلاً أم آجلاً— بمأزق المشروعية. إن طمس الحقيقة، وتصفية الأشخاص، والإدارة الإعلامية للأزمات قد تكون إجراءات ناجعة على المدى القصير، لكنها ستؤدي على المدى البعيد إلى تآكل الثقة العامة. لقد مات إبستين، بيد أن التساؤلات التي أثارتها قضيته لا تزال حية أكثر من أي وقت مضى؛ تساؤلات تتمحور حول الماهية الحقيقية للسلطة، وحدود الحرية، والنظام الليبرالي العاجز.