
تمثّل تجربة الأستاذ الدكتور سعد التميمي واحدة من التجارب الأكاديمية والثقافية التي تشكّلت عبر مسار طويل من الشغف باللغة العربية والانحياز المبكر إلى أسئلتها العميقة بوصفها هويةً ومعرفةً وأفقًا فكريًا. فمنذ الطفولة الأولى حيث اكتشف سحر الفصحى داخل الصفوف الدراسية، مرورًا بالتحولات الحاسمة التي قادته إلى دراسة اللغة العربية بدل المسارات العلمية التقليدية، وصولًا إلى حضوره أستاذًا وباحثًا وناقدًا فاعلًا في المشهد الثقافي العربي، تتكشف سيرة علمية تقوم على التوازن بين الصرامة الأكاديمية والحيوية الثقافية. في هذا الحوار الخاص لصحيفة الزوراء، يستعيد الدكتور التميمي محطات تكوينه الأولى، ويتوقف عند تأثير أساتذته وقراءاته المبكرة، ويضيء تجربته في التدريس داخل العراق وخارجه، كما يطرح رؤيته لمستقبل البلاغة العربية في ظل التحولات الرقمية وتسارع أشكال الخطاب المعاصر. حوار يكشف كيف تتحول اللغة من مادة دراسية إلى مشروع حياة، وكيف يصبح الأستاذ الجامعي فاعلًا ثقافيًا يتجاوز حدود القاعة الدراسية ليشارك في صياغة الوعي العام.
ــ اهلا ومرحبا بكم استاذ وانتم اليوم ضيوفا اعزاء على جريدة الزوراء .
ــ اهلا بكم وبالزوراء الجريدة التي عرفناها عنوانا للصحافة العراقية .
ــ لنبدأ الحوار ونسالكم اولا ما هي أول ذكرى تتعلق بعلاقتك مع اللغة العربية في الطفولة؟
ــ بدأت علاقتي باللغة العربية مبكرًا حين كان أستاذي كاظم في مدرسة الكميت الابتدائية بالكاظمية يدخل الصف متحدثًا بلغة فصيحة مختلفة عن لغة الشارع، لغة تحمل وقارًا وإيقاعًا خاصًا جعلنا نشعر أننا ندخل عالمًا جديدًا. لم تكن دروس القراءة مجرد واجبات مدرسية بل طقسًا يوميًا يفتح الأفق أمامنا. وفي المرحلة المتوسطة اكتشفت أن الإعراب ليس علامات شكلية بل المعنى نفسه وهو يتشكل، وهناك بدأت دهشة اللغة تقودني نحو مسار علمي لم أكن أدركه آنذاك.
ــ من هو الشخص أو الكتاب الذي أشعل داخلك الرغبة في القراءة والكتابة؟
ــ يمكن القول إن الكتاب الذي أيقظ داخلي هذه الرغبة كان نهج البلاغة، فقد قرأته بوصفه تجربة روحية ولغوية عميقة لا مجرد نص تراثي. لغته كشفت لي أن العربية كائن حي يتنفس في الكلمات. ثم جاء المتنبي ليمنحني دهشة أخرى، إذ تعلّمت من شعره كيف تتحول الكلمة إلى موقف وكيف يعلن الصوت حضوره بثقة دون ضجيج. بين حكمة نهج البلاغة وكبرياء المتنبي تشكلت بداياتي مع الكتابة.
ــ متى شعرت أنك تسير باتجاه الأدب والنقد بشكل جدي؟
ــ حدث ذلك بعد تخرجي من الفرع العلمي حين كان الطريق مفتوحًا أمامي لدراسة الإدارة والاقتصاد، لكن صوتًا داخليًا قادني نحو اللغة العربية. التحاقي بقسم اللغة العربية في جامعة الموصل كان اختيارًا واعيًا لهويتي لا مجرد قرار دراسي. هناك أدركت أن الأدب سؤال دائم عن المعنى وأن النقد حوار مع النص لا اعتراض عليه.
ــ كيف كانت أجواء الدراسة الجامعية الأولى وتأثيرها في تشكيل وعيك الثقافي؟
ــ عشت مرحلتين متكاملتين بين جامعة الموصل والجامعة المستنصرية. في الموصل تعلمت الصرامة العلمية والصبر في البحث، أما بغداد فقد منحتني الانفتاح الثقافي عبر الندوات ومهرجان المربد وجلسات اتحاد الأدباء. بين هاتين التجربتين تشكّل وعي يجمع بين المنهج الأكاديمي والحياة الثقافية.
ــ لماذا اخترت البلاغة والنقد تحديدًا دون بقية فروع اللغة العربية؟
ــ لأنني لم أكتف بحب اللغة بل أردت فهم سر تأثيرها. النحو والصرف يمنحان النظام، أما البلاغة فتكشف روح اللغة. فيها وجدت منطقة التقاء العقل بالذوق، بينما منحني النقد أفق مساءلة النصوص وفهم كيفية إنتاج المعنى.
ــ ما الصعوبات التي واجهتك في بداياتك العلمية والأكاديمية؟
ــ أبرزها الإحساس بثقل المسؤولية والانتقال من التلقي إلى الإنتاج. الكتابة تكشف الباحث أمام نفسه، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى بعض المصادر في ظروف البلد آنذاك. لكن تلك التحديات صنعت الإصرار وعلّمتني أن الطريق العلمي بناء طويل لا سباق سريع.
ــ كيف تحولت من قارئ وباحث إلى أستاذ جامعي محترف؟
ــ كان التحول تدريجيًا. حين وقفت أمام الطلبة لأول مرة أدركت أن المعرفة لا تكتمل إلا بالمشاركة. لم يعد الهدف شرح القواعد بل زرع شغف السؤال. ومع السنوات تعلمت أن الاحتراف الأكاديمي توازن بين العلم والإنصات وبين الثقة والتواضع. ــ ما أول بحث شعرت أنه يمثل هويتك الفكرية الحقيقية؟
ــ دراستي عن اتجاهات البلاغة في تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. في هذا البحث التقى شغفي بالبلاغة مع اهتمامي بالتراث، وسعيت إلى قراءة المفاهيم البلاغية بوصفها مفاتيح لفهم النص القرآني لا مجرد تصنيفات نظرية.
ــ كيف أثرت تجربة التدريس خارج العراق في رؤيتك للثقافة العربية؟
ــ خلال عملي عشر سنوات في جامعة إب في اليمن اكتشفت التنوع داخل الثقافة العربية. عايشت حيوية المشهد الشعري هناك وكتبت في الصحافة الثقافية اليمنية، فتعلمت أن الثقافة العربية نسيج من الأصوات وأن النقد يمكن أن يكون جسرًا بين الأجيال.
ــ متى أدركت أنك أصبحت جزءًا من المشهد الثقافي وليس مجرد متابع له؟
ــ حين بدأت مشاركاتي تُطلب في الندوات وتُقرأ كتاباتي بوصفها مواقف فكرية. شعرت أنني انتقلت من موقع المتلقي إلى المشارك في صناعة الحوار الثقافي، وهو إدراك رافقه شعور أكبر بالمسؤولية.
ــ كيف تصف منهجك في تدريس البلاغة اليوم؟
ــ أعتمد الانتقال من بلاغة المصطلح إلى بلاغة النص. أبدأ بالنص ذاته ونكتشف الظواهر البلاغية داخله قبل تقديم التعريفات النظرية، ليصبح المصطلح نتيجة للفهم لا عبئًا حفظيًا. هدفي أن يشعر الطالب بأن البلاغة مهارة قراءة لا مادة جامدة.
ــ ما أهم مشكلة تواجه طالب اللغة العربية اليوم؟
ــ المشكلة ليست ضعف القدرة بل اضطراب المرجعية بين فصحى أكاديمية وعامية رقمية ولغة هجينة في وسائل التواصل. إضافة إلى تراجع القراءة العميقة لصالح المحتوى السريع، مما يضعف الصبر المعرفي الضروري لفهم النصوص.
ــ هل تغير مفهوم البلاغة عند الجيل الجديد؟
ــ نعم، فالجيل الجديد يميل إلى فهم البلاغة بوصفها علم تحليل الخطاب والإقناع، وهو تطور إيجابي إذا حافظنا على عمقها التراثي ولم نختزلها في مهارات تواصل سريعة فقط.
ــ كيف توفق بين الناقد الأكاديمي والكاتب الثقافي داخلك؟
ــ العلاقة بينهما حوار لا صراع. الأكاديمي يمنح النص صلابته المنهجية، والكاتب يمنحه روحه وحيويته. أحاول أن تبقى الكتابة دقيقة دون جفاف وقريبة من القارئ دون تفريط علمي.
ــ ما الدور الذي يجب أن يقوم به الأستاذ الجامعي خارج قاعة الدرس؟
ــ أن يكون مثقفًا فاعلًا يشارك في الندوات ويكتب في الصحافة ويحتضن المواهب الشابة. الأستاذ جسر بين الجامعة والمجتمع، ودوره تنويري يتجاوز الوظيفة التعليمية.
ــ كيف ترى علاقة الجامعة بالمجتمع الثقافي والإعلامي؟
ــ علاقة تكامل لا تباعد. الجامعة تقدم المنهج والتحليل، والإعلام يصل إلى الجمهور. عندما يتعاون الطرفان يصبح البحث العلمي قوة مؤثرة في الوعي العام.
ــ ما أهم مسؤولياتك تجاه طلبة الدراسات العليا؟
ــ بناء باحث مستقل يمتلك صوته العلمي. أحرص على توجيههم نحو السؤال البحثي الحقيقي وتعليمهم الدقة المنهجية، إضافة إلى الدعم الإنساني لأن البحث رحلة شاقة نفسيًا وفكريًا.
ــ ما مشروعك العلمي الذي تعمل عليه حاليًا؟
ــ أعمل على تطوير مشروع البلاغة التكاملية الذي يسعى إلى الجمع بين الإقناع والإمتاع بوصفهما جوهر البلاغة العربية، وتحويله إلى كتاب يربط البلاغة التراثية بنظريات الخطاب الحديثة.
ــ ما طموحك الثقافي الذي لم يتحقق بعد؟
ــ أحلم بمشروع عربي يعيد الاعتبار للبلاغة والنقد بوصفهما رافعتين للوعي، وبإنجاز عمل موسوعي يلخص تجربتي ويخاطب الباحث والمثقف معًا، إضافة إلى رؤية طلابي يطورون هذا الحقل معرفيًا. ــ ما الرسالة التي توجهها للجيل الجديد من الباحثين والنقاد؟
ــ أن يجعلوا المعرفة خيارًا وجوديًا لا وسيلة وظيفية، وأن يقرأوا التراث بعين ناقدة وينفتحوا على المناهج الحديثة دون انبهار أو قطيعة. الصبر والنزاهة العلمية هما أساس أي مشروع معرفي حقيقي.
ــ كيف ترى مستقبل البلاغة العربية في ظل التحولات الرقمية؟
ــ مستقبل البلاغة مرتبط بقدرتها على الانفتاح على الخطاب الرقمي حيث لم تعد الكلمة وحدها مركز التأثير بل الصورة والمنشور والفيديو القصير. البلاغة يمكن أن تصبح أداة لتحليل الخطاب الإعلامي والسياسي والرقمي إذا أعيدت صياغة مفاهيمها في سياق معاصر يجمع بين التراث والنظريات الحديثة. أؤمن أن البلاغة العربية قادرة على أن تكون علم المستقبل إذا امتلكنا الجرأة على تجديدها.
الخلاصة
بهذا الحوار تتجلى مسيرة الدكتور سعد التميمي بوصفها رحلة معرفة بدأت بدهشة طفل أمام لغة فصيحة، وتحولت إلى مشروع علمي يسعى لإعادة قراءة التراث وربطه بأسئلة الحاضر، مؤكدة أن البلاغة ليست ماضيًا محفوظًا بل أفقًا متجددًا لفهم الإنسان وخطابه في كل عصر.