
حين يقترب رمضان، لا يأتي وحده؛ بل يحمل معه صندوقاً قديماً من الذكريات، تفتحه القلوب قبل الأبواب، وتضيئه فوانيس صغيرة تشبه أحلام الطفولة. كانت الفوانيس أكثر من مجرد زينة تُعلّق على الشرفات، كانت إعلاناً سرياً بأن الفرح قد وصل، وأن الليل صار أحنّ وأقرب إلى الروح.
في الأزقة القديمة، كانت الأضواء الملوّنة ترتجف مع نسيم المساء، بينما يتسابق الأطفال حاملين فوانيسهم، كأنهم يحرسون نجومهم الخاصة. صوت الباعة، رائحة الخبز الساخن، وضحكات الجيران الممتدة حتى السحور، كلها كانت تشكّل موسيقى لا تُنسى، موسيقى رمضان التي لا تُعزف إلا مرة كل عام.
لم تكن الفوانيس كهربائية كما اليوم؛ كانت بسيطة، تُضاء بشمعة صغيرة تحتاج عناية وحرصاً، وربما لهذا السبب كانت أكثر دفئاً. كنا نتعلّم منها الصبر، ونكتشف عبر نورها الخافت أن الفرح الحقيقي لا يحتاج إلى ضوء قوي، بل إلى قلوب متقاربة.
ومع مرور السنوات، تغيّرت المدن، واختلفت الوجوه، لكن الفانوس بقي رمزاً لشيء أعمق من الزينة؛ بقي علامة على اجتماع العائلة، وعلى لحظة انتظار الأذان، وعلى دعاءٍ يُهمس به في هدوء الليل.
ذاكرة فوانيس رمضان ليست مجرد حنين إلى الماضي، بل وعدٌ يتجدّد كل عام بأن في داخل كل واحدٍ منا طفلاً ينتظر الضوء، ويؤمن أن رمضان قادر دائماً على إعادة إشعال الروح من جديد.