
لا يقدّم الكاتب رباح آل جعفر مؤلفه الجديد « هؤلاء كما عرفتهم» الصادر عن دار الحكمة في لندن، بوصفه سيرة ذاتية، ولا يدّعي أنه وثيقة تاريخية أو سجلاً ثقافياً دقيقاً، بل يختار طريقاً آخر عبر الكتابة عن الناس كما عُرفوا، لا كما كُتب عنهم. إنه كتاب ذاكرة شخصية تتحول إلى شهادة إنسانية، تلتقط أثر الأشخاص في الحياة اليومية، لا ألقابهم ولا مواقعهم الرسمية، فهو يقول منذ البدء : « عرفت وقابلت في هذه الدنيا شخصيات رائعة لا تجتمع في زمن واحد الا نادراً . أسماء لها بريق. كانت لبعضهم أجمل الصفحات في حياتي. كل واحد منهم أضاء شعلة في قلبي، أو زاوية في طريقي . مثل قلعة على جبل، أو سارية في بحر» .
يعتمد آل جعفر على الذاكرة بوصفها مصدراً وحيداً للسرد. لا تواريخ صارمة، ولا ترتيب زمني ملزم، ولا حرص على الاكتمال. ما يهمه هو ما بقي عالقاً في الوجدان: موقف، جملة، جلسة، حوار، أو مشهد عابر ترك أثره. لذلك يأتي النص على هيئة مقاطع مستقلة، تتجاور فيها أسماء معروفة وأخرى منسية، جميعها متساوية أمام معيار واحد، ذلك هو أثرها في التجربة الإنسانية للكاتب. ومنذ الصفحات الأولى يضع المؤلف قارئه أمام حدود الكتابة. ولا يسعى إلى تبرئة الذات أو محاكمة الآخرين. بل يعلنها بوضوح أن ما يقدمه هو ما رآه وسمعه وعاشه، لا أكثر. هذا الاعتراف يمنح الكتاب صدقه، ويجنّبه الوقوع في فخ التزييف أو الادعاء، وهو يعتمد لغة واضحة ومباشرة، خالية من الاستعراض، وتقوم على السرد الصحفي القريب من القارئ. الجملة قصيرة، مكثفة، تؤدي وظيفتها دون زخرفة زائدة. وفي كثير من المواضع، تتحول الكتابة إلى ما يشبه اللقطة السريعة أو الشهادة العابرة، ما يجعل النص قابلاً للقراءة المتقطعة دون أن يفقد وحدته العامة.
مما يلفت الانتباه أيضاً الجانب الأخلاقي في الكتاب. فالمؤلف لا ينتهك خصوصية الشخصيات، ولا يذهب إلى ما لا يملك حق روايته. هناك وعي واضح بأن الذاكرة ليست ملكاً فردياً خالصاً، وأن بعض التفاصيل يجب أن تبقى خارج النص. هذا الالتزام يمنح الكتاب احترامه، ويبعده عن النزعة الفضائحية التي تُغري بعض كتب الذكريات. كما أن الكتاب لا يراهن على الشهرة، بل على الإنسان. لا يحتفي بالأسماء الكبيرة بقدر ما يحتفي باللحظات الصادقة. وهو في ذلك يطرح سؤالاً ضمنياً، ما الذي يبقى من البشر؟ المناصب أم المواقف؟ الألقاب أم الأثر؟ الإجابة لا تُقال مباشرة، لكنها تتشكل عبر الصفحات.
هذا كتاب لا يُقرأ للبحث عن معلومات، بل لفهم البشر كما هم، بضعفهم وقوتهم. كتاب يذكّرنا بأن الذاكرة، حين تُكتب بصدق، تصبح شكلاً من أشكال العدالة الإنسانية، وأن بعض الناس لا يبقون في التاريخ، لكنهم يبقون في الحياة .