رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
المـــواطنة شـــراكة متـــكافئة


المشاهدات 1072
تاريخ الإضافة 2026/02/22 - 10:37 PM
آخر تحديث 2026/02/23 - 2:06 AM

مفهوم «مسلم» الذي تتأسس عليه الدولة الدينية يختلف عن مفهوم «مواطن» الذي تتأسس عليه الدولة الحديثة. المفهومان ينتميان إلى سياقين متغايرين، ويتحدثان لغتين مختلفتين، لا يلتقيان في رؤيتهما للعالم، ولا في شبكة دلالات كل منهما. الدولة الدينية تستند إلى التفسير الكلامي والفقهي للدين، الذي يصنف الناس إلى مراتب وفئات، ويمنح كلًا منهم موقعًا في تراتبية الراعي والرعية، على وفق نظام هرمي، يجري فيه تمييز في القانون والحقوق والحريات، إذ يصنف الرعية حسب دينهم، وجنسهم، وكونهم أحرارًا أو رقيقًا، مضافًا إلى منح الراعي «الخليفة» حريات مطلقة غير مقيدة بدستور ولا قانون، وسلبها عن الرعية. أما دولة المواطنة الحديثة فتقوم على القانون والحقوق والحريات، وتتأسس على مبدأ المواطنة، لا على الانتماء الديني أو الطائفي أو العرقي. لا تسأل الفرد عن إيمانه، ولا تحاكم ضميره، ولا تمنح امتيازًا لانتمائه الديني، بل تقوم على عقد اجتماعي تصونه القوانين، وتضبطه المؤسسات، وتكفل فيه الحرية والعدالة والمساواة لجميع المواطنين، وتكفل الحق لكل مواطن في أن يكون مختلفًا. لا رعية فيها بل مواطنون أحرار، متساوون في الكرامة والحقوق والحريات والمسؤوليات، كل على وفق إمكاناته ووظيفته. لا يساءل أحد عن دينه أو معتقده أو مذهبه أو قوميته. المواطنة تعني شراكة متكافئة في الانتماء إلى الوطن، يمتلك فيها كل مواطن النصاب الكامل في المواطنة، بوصفه إنسانًا له الحق في أن يعامل بالمساواة، وله الحق أن يكون مختلفًا، ومع ذلك تصان حريته وحقوقه، وتكفل كرامته بلا تمييز ولا تفضيل.
المجتمع كائن مركب، متعدد، متنوع، عميق، تطفو على سطحه اختلافات لا تنتهي في الفهم والمصالح والمواقف. تحقيق العدالة في هذا المجتمع لا يعني معناها الفقهي، بل يتطلب وعيًا سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا بالواقع، وتدبيرًا عقلانيًا لما يسهم في صيانة حقوق الإنسان وحرياته، وترسيخ سيادة القانون، وتكافؤ الفرص. مَن يفكر في بناء دولة مواطنة في مجتمعاتنا، على وفق أفق الفكر السياسي الحديث، لا بد له من استيعاب مفهوم «المجتمع» بمعناه السياسي الحديث، الذي يتأسس على رؤية لدولة حديثة تقوم على المواطنة، لا على الانتماءات الموروثة. المجتمع بهذا المعنى هو كيان سياسي يتوحد في إطار دولة واحدة، يعيش على أرض محددة، وينتظم تحت قانون واحد، حتى لو لم تتشارك مكوناته دينيًا أو مذهبيًا أو قوميًا أو في اللغة أو التراث الواحد. ما يجمع أفراد هذا المجتمع هو إرادة العيش المشترك، والتضامن في المصالح والمصائر، والالتزام بعقد اجتماعي ينظم العلاقة بين المواطنين والدولة، على قاعدة المساواة القانونية الكاملة، والحقوق المتكافئة التي لا تختزل في جماعة بعينها، ولا تشاد على هويات ما قبل الدولة. أما مفهوم «الأمة» في تراثنا فيحيل إلى جماعة يوحدها الإيمان بعقيدة دينية مشتركة، الهوية السياسية التي يتأسس عليها الانتماء إلى الأمة، في ضوء هذا التصور، هي الإيمان بالدين. في حين يرتكز المفهوم السياسي للمجتمع الحديث على وحدة الوطن، وسيادة القانون، والمساواة في الحقوق، والمصالح العامة المشتركة، لا على وحدة الدين أو العقيدة.
 سألت أحد كتّاب الدولة الدينية في بلد عربي: ما شكل الدولة التي تدعو لها، وتبشر في كتاباتك بضرورتها لحل مشكلات بلدك وبلادنا؟ فقال: إنها دولة الدين، لأن الدين، كما يرى هو، يحل كل مشاكلنا إذا طبقناه بإخلاص كما ينبغي. قلت له: ما المقصود بدولة الدين؟ قال: إنها دولة يتأسس نظام حكمها وسياساتها ومؤسساتها السياسية والاقتصادية والمالية والإدارية والتربوية والتعليمية على أساس إسلامي، على نحو تكون أنظمتها كلها وقوانينها ومعاملاتها منبثقة من الدين. سألته: ماذا تعني بمنبثقة من الدين؟ قال: أعني أن تشريعاتها وقوانينها ونظمها منبثقة من الفقه وعلم الكلام. قلت له: الدولة التي تدار بالمقولات الاعتقادية لعلم الكلام القديم وأحكام الفقه التقليدي لا تعترف بمبدأ المساواة بين المواطنين، ولا تقوم على تكافؤ الفرص، بل تميز بين المسلم وغير المسلم، والحر والعبد، والرجل والمرأة، في الحقوق والحريات والمسؤوليات في دولة واحدة. هذا التمييز يفضي إلى نفي المواطنة الدستورية، ويقصي الانتماء إلى الأرض والمصالح المشتركة والمصير الواحد، بوصفها محددات لهوية المواطنة في الدولة الحديثة، ولا يتأسس على المساواة في الحقوق والحريات، ولا على فصل السلطات، ولا على التداول السلمي للسلطة.
 ثم شرحت له بوضوح: إن الدولة التي تحلم بها أنت وغيرك لا تمتلك مقومات بناء الدولة الحديثة وركائزها، ولا تتأسس على مفهوم المواطنة، بوصفها رابطة قانونية تكفل المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات. لا تغير االتوصيفات المراوغة التي يتخذها بعضهم قناعًا لدولة دينية، بوصفها دولة إنسان، أو دولة حضارية، أو أية تسمية أخرى جذابة، من مضمون الدولة الدينية، مادامت تعتمد على مقولات علم الكلام القديم وأحكام الفقه التي تنفي الحقوق والحريات والمساواة بين المواطنين.  فلت له: أنت تحلم بدولة تنتمي إلى عصور انتهت وصار الظلم والاضطهاد فيها تنزفه ذاكرة جريحة.  تلك دولة ما قبل الدولة الوطنية الحديثة، تلك الدولة لا تدري بأسئلة الإنسان اليوم ومتطلبات حياته المركبة المتنوعة، لأنها تستلهم أنظمتها من مقولات أنتجتها سياقات معرفية ودينية وسياسية واقتصادية واجتماعية غريبة على الواقع الذي يعيشه مواطن هذا العصر، فضلًا عن أنها تعكس رؤية سياسية لا تعترف بإرادة المواطن، ولا ترى الشعب مصدرًا للشرعية. الدولة التي تدار بعقل كلامي وفقهي تقليدي لا تؤمن بقيم الحرية والمساواة وحقوق الإنسان، وحق الإنسان في أن يكون مختلفًا، ولا تتسع لاستيعاب التحولات الهائلة في هذا العصر، ولا تستجيب لتطلعات الإنسان المسلم واحتياجاته المتنوعة اليوم. إنها لا تبني وطنًا يتسع للمختلفين، ولا تقيم مؤسسات تضمن العدالة، ولا تنتج قانونًا يتساوى أمامه الجميع. دولة كهذه لا تؤسس دولة مواطنة حديثة، بل تكرس الانقسام، وتزيد من الاغتراب عن الزمن والواقع. أجابني بقوله: لدينا تراث ثري في الأحكام السلطانية والاقتصاد والأموال والإدارة والحسبة وغيرها، وراح يستعرض عنوانات مؤلفات كتبت في لإدارة وتدبير الخلافة ومؤسساتها.
 سألته: كيف يمكننا بناء دولة حديثة بتراث جرى تدوينه ليجيب عن أسئلة الماضي، ويحاول أن يقدم حلولًا لمشكلات وقعت في سياق دول الخلافة قبل قرون، وكان مؤسسًا على ثنائية الراعي والرعية، ويقصي ما أنتجه العلم والمعارف الحديثة، وما أنجزته البشرية من نظم وتشريعات تضمن الحقوق والحريات، وعلوم في الإدارة والسياسة والسلطة وخبرات في بناء الدولة وأنظمتها. 
بعد كلام طويل، لم أجد عنده جوابًا، بل لجأ إلى التحدث بكلمات زئبقية تتخفى وراء ركام من الألفاظ المكررة، توحي بأنها تقول كل شيء، لكنها لا تقول شيئًا محددًا، ولا تفصح عن أي تصور واضح لدولة مواطنة حديثة، تضمن كرامة الإنسان وحقوقه وحريته ومساواته، وتكفل له الحق في أن يكون مختلفًا. تأملت في كلامه فلم أعثر فيه على جواب لأي سؤال من أسئلتي، كان حديثه غارقًا في التباس وغموض لغوي وكلامي وفقهي، يفتقر إلى أي تصور واضح يمكن أن نحتكم إليه في معنى الدولة، أو صورة نظام حديث يتناغم مع متطلبات حياة الإنسان في هذا العصر.


تابعنا على
تصميم وتطوير