رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
سحر الأصيل مذيعة صنعت حضورها بين الكاميرا والمنصة


المشاهدات 1054
تاريخ الإضافة 2026/02/22 - 10:34 PM
آخر تحديث 2026/02/23 - 1:52 AM

من ذاكرة الإذاعة والتلفزيون العراقي تبرز أسماء تركت أثرا خاصا في وجدان الجمهور لا بصوتها فحسب بل بشخصيتها ومسيرتها وتنوع تجاربها. من بين تلك الأسماء تأتي المذيعة سحر الأصيل التي شكلت حالة مميزة في المشهد الإعلامي العراقي منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى اليوم. تجربتها لم تقتصر على قراءة الأخبار أو تقديم البرامج بل امتدت إلى مجالات أخرى جمعت بين الثقافة والسياسة وعالم الأزياء وصولا إلى العمل الإعلامي في أوروبا. هذا التحليل يحاول قراءة مسيرتها بوصفها نموذجا لمذيعة صنعت نفسها بالموهبة والانضباط والطموح.
النشأة والبدايات الأولى
ولدت سحر الأصيل في كربلاء لكنها عاشت حياتها في بغداد وسط عائلة مثقفة كان لها الأثر الكبير في تشكيل وعيها المبكر. والدها الحاصل على شهادة الماجستير في الهندسة الميكانيكية من لندن كان منفتحا على الثقافة الأوروبية ويتقن الألمانية والإنكليزية مما وفر لها بيئة محفزة على الاطلاع والقراءة. منذ الطفولة أظهرت ميولا واضحة للخطابة والإلقاء والمشاركة في الأنشطة المدرسية من رسم وموسيقى وتمثيل. كانت تقف على المسرح المدرسي بثقة مبكرة وتشارك في إلقاء الشعر ورفع العلم الأسبوعي وهو ما أسس لديها إحساسا طبيعيا بالحضور أمام الجمهور.
تجربتها الدراسية لم تسر وفق الحلم الأول الذي كان يتجه نحو الهندسة المعمارية. سافرت إلى الهند عام 1983 للدراسة في جامعة سرينكا لكنها عادت بعد ستة أشهر بسبب الحنين للأسرة وظروف الحرب هذه العودة لم تكن تراجعا بقدر ما شكلت نقطة انعطاف نحو الإعلام.
بوابة التلفزيون والاختبار الحاسم
بعد عودتها من الهند ظهر إعلان في تلفزيون العراق عن الحاجة إلى مذيعات خريجات الدراسة الإعدادية. تقدمت للاختبار في معهد التدريب الإذاعي والتلفزيوني وسط أكثر من مئتين وثمانين متقدمة. لجنة الاختبار ضمت أسماء بارزة من رواد الإعلام العراقي مثل الراحل بهجت عبد الواحد والراحل محمد علي كريم والراحل حافظ القباني إضافة إلى جبار يوسف وحسب الشيخ جعفر وأديب ناصر.
الاختبار لم يكن شكليا بل تضمن قراءة موجز إخباري أمام الكاميرا ثم اختبارا في قواعد اللغة العربية والثقافة العامة. قبول ثلاث متقدمات فقط من هذا العدد كان مؤشرا على صرامة المعايير. نجاح سحر الأصيل في هذا الامتحان وضعها على أول الطريق الاحترافي وأكد امتلاكها صوتا مقبولا وحضورا بصريا مؤثرا وقدرة لغوية واعدة.
معهد التدريب وصناعة المذيع
خضعت لدورة تدريبية مكثفة استمرت ثلاثة أشهر في معهد التدريب الإذاعي والتلفزيوني بين تشرين الأول 1983 وكانون الثاني 1984. البرنامج اليومي كان يمتد لست ساعات تجمع بين الدروس النظرية والتطبيق العملي. تعلمت على أيدي رواد كبار أسس النطق السليم وتقطيع الجمل وضبط المخارج إضافة إلى دروس اللغة الإنكليزية والموسيقى والمكياج والثقافة العامة.
هذه المرحلة شكلت القاعدة المهنية الصلبة لمسيرتها. تؤكد سحر الأصيل أن تلك المدرسة الإعلامية كانت صارمة في المتابعة والمراقبة وأنها صنعت جيلا من المذيعين يتعامل مع اللغة العربية باعتبارها أمانة ومسؤولية لا مجرد وسيلة.
من مذيعة ربط إلى قارئة أخبار
باشرت العمل كمذيعة ربط في تلفزيون العراق عام 1984. أول كلمات نطقتها عبر الأثير كانت عبارة هنا بغداد في البرنامج الصباحي الإذاعي ثم عبارات الترحيب على الشاشة. هذا الانتقال من التدريب إلى البث المباشر حمل رهبة كبيرة لكنها استطاعت تجاوزها بسرعة.
عام 1991 قرأت أول نشرة أخبار رسمية بعد خمس سنوات من العمل مذيعة ربط. جاءت الفرصة بشكل مفاجئ عندما تعذرت إحدى الزميلات عن القراءة. أدت النشرة بإتقان ونالت إشادة مباشرة من الإدارة. منذ ذلك الوقت أصبحت قراءة الأخبار جزءا أساسيا من مسيرتها.
صرامة اللغة والرقابة الدقيقة
تجربة سحر الأصيل مع اللغة العربية تكشف عن جانب مهم من مهنيتها. تؤكد أنها خضعت لما يقارب ثلاثين دورة لغة عربية خلال مسيرتها وأنها وصلت إلى مرحلة الإشراف اللغوي في القنوات التي تعمل بها. في التسعينيات كانت النشرات تخضع لتدقيق مشرفين لغويين وكان الخطأ البسيط يثير مسائلات دقيقة.
تروي تجربة قراءة نشرة طويلة وصلت عبر أوراق التيكر مع طباعة غير واضحة واضطرت إلى تصحيح الكلمات مباشرة على الهواء. حتى همزات الوصل والقطع كانت تخضع لملاحظات من جهات عليا. هذا المناخ المهني الصارم أسهم في تكوين مذيعة قادرة على القراءة المباشرة دون تحضير مسبق.
الخبر الذي هز المشاعر
من أكثر اللحظات تأثيرا في مسيرتها قراءة خبر تسليم الأسرى العراقيين من إيران. أثناء البث شاهدت أخاها الأسير ينزل من الحافلة على الشاشة. لم تستطع إكمال الخبر وأجهشت بالبكاء فرحا. هذه اللحظة تختصر تداخل المهني بالإنساني في عمل المذيع خاصة في سياق بلد عاش حروبا طويلة.
الجمع بين الإعلام وعالم الأزياء
واحدة من أبرز محطات تجربتها كانت عملها عارضة أزياء في الدار العراقية للأزياء عام 1992 مع استمرارها في العمل التلفزيوني. كانت أول مذيعة عراقية تجمع بين الوظيفتين في وقت واحد. شاركت في عروض أقيمت على المسرح البابلي وفي فعاليات ثقافية عديدة. كما أنها كانت تصمم وتخيط ملابسها بنفسها وتظهر بها على الشاشة.
عام 2004 أعدت وقدمت برنامج عشتار على قناة الحرة تناول تاريخ الأزياء العراقية من حضارة سومر إلى العصر الحديث. هذه التجربة تعكس تعدد اهتماماتها وقدرتها على المزج بين الثقافة والجمال والهوية.
البرامج السياسية والحضور العربي
إلى جانب الأخبار قدمت برامج حوارية سياسية وثقافية مثل برنامج قوارير الذي خصص لسيرة النساء المبدعات وقدم ستين حلقة. كما أعدت وقدمت برامج سياسية يومية منها العراق هذا المساء الذي نالت عنه درع الإبداع عام 2012 ولقب أجرأ مذيعة في الحوار عام 2013.
بعد عام 2003 تنقلت بين قنوات عدة منها الشرقية والبابلية ثم قناة التغيير حيث تولت إعداد وتقديم برامج سياسية. كما شاركت في حوارات على قناة فرانس 24 وإذاعة مونتي كارلو. اليوم تقيم في فيينا وتعمل في تغطية مؤتمرات الاتحاد الأوروبي وتشارك في فعاليات حقوق الإنسان والثقافة.
رؤية نقدية لواقع المهنة
في تقييمها لمذيعي اليوم تبدي سحر الأصيل ملاحظات نقدية واضحة. ترى أن الخلط بين مفاهيم الصحفي والإعلامي والمذيع يعكس ضعف التخصص. كما تنتقد تراجع استخدام اللغة العربية الفصحى في الحوارات السياسية وانتشار العامية والكلمات غير اللائقة. بالنسبة لها تبقى اللغة معيارا أساسيا لهيبة المذيع ومصداقيته.
خاتمة
سحر الأصيل تمثل نموذجا لمذيعة تشكلت في مدرسة إعلامية صارمة واستمرت في تطوير أدواتها عبر عقود من العمل داخل العراق وخارجه. مسيرتها تكشف عن مزيج من الطموح الشخصي والدعم العائلي والانضباط المهني. بين نشرة الأخبار ومنصة الأزياء وبين بغداد وفيينا تبقى تجربتها شاهدا على مرحلة مهمة من تاريخ الإعلام العراقي وعلى قدرة المرأة العراقية على الحضور والتأثير في أكثر من ميدان.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير