
غالبا ما يُنظر الى ملف التعليم العالي في العراق الآن باعتباره عبئا ماليا بسبب كثرة الجامعات وتزايد أعداد الطلبة في ظل محدودية فرص العمل مع وصول عدد الجامعات الحكومية والاهلية لاكثر من مائة. غير أن هذه المقاربة تُغفل حقيقة أثبتتها تجارب دول عديدة، وهي ان المشكلة ليست في العدد بل في الرؤية، فالدول التي نظرت إلى التعليم العالي كقطاع اقتصادي منتج لا كخدمة استهلاكية حولته إلى فرصة اقتصادية.
في دول مثل الهند وتركيا وإيران لم يُنظر إلى اتساع الجامعات باعتباره مشكلة بل فرصة لاستقطاب الطلبة الأجانب خصوصا من الدول المجاورة والنامية. يعد الطالب هناك مقيماً طويل الأمد، ينفق على التعليم والسكن والنقل والغذاء والصحة والخدمات، فيُنشط الاقتصاد المحلي يوميا. في الهند جرى استثمار السمعة الأكاديمية القوية في الطب والهندسة وتكنولوجيا المعلومات مع كلفة دراسة ومعيشة منخفضة، فاستُقطبت أعداد كبيرة من الطلبة من آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط. وفي تركيا نجح الدمج بين التعليم والسياحة والثقافة فأصبح الطالب الأجنبي جزءا من منظومة السياحة طويلة الأمد. أما إيران فرغم القيود والعقوبات فقد حافظت على جاذبية تعليمية إقليمية مما أنعش مدنًا جامعية كاملة وخلق وظائف في السكن والخدمات والتعليم. وتُعد تجربة المملكة المتحدة المثال الأوضح عالميا، ففي كثير من الجامعات البريطانية ولا سيما في الدراسات العليا يشكل الطلبة الأجانب أكثر من نصف مجموع الطلبة. هؤلاء لا يمولون الجامعات عبر الرسوم المرتفعة فحسب بل يخلقون سلسلة واسعة من فرص العمل للبريطانيين في التدريس والسكن والنقل والخدمات والبناء، فكل طالب أجنبي يعني دورة اقتصادية جديدة ووظائف إضافية لمواطنين محليين.في هذا السياق يبرز العراق اليوم كبيئة جاذبة للطلبة الأجانب ولا سيما العرب لأسباب موضوعية، وفي مقدمتها الاجور الدراسية المنخفضة ورخص كلفة المعيشة مقارنةً بدول المنطقة، وهذا عامل مهم في قرارات الطلبة. يضاف إلى ذلك، فإن المجتمع العراقي منفتح ومتنوع ثقافيا واجتماعيا، ويمنح الطالب تجربة مميزة تتجاوز قاعة الدراسة.
ويمتلك العراق تنوعا جغرافيا وسياحيا نادرا مثل أهوار مدرجة ضمن التراث العالمي وجبال وثلوج في شمال البلاد وأنهار ومدن تاريخية ومراقد دينية تستقطب ملايين الزائرين سنويا بالاضافة الى تنوع المناخ. هذا المزيج يفتح الباب أمام نموذج السياحة التعليمية والدينية حيث يصبح الطالب الأجنبي جزءا من حركة اقتصادية وثقافية مستمرة.. وهناك ملاحظة مهمة وهي ان الطالب الأجنبي الذي يأتي إلى العراق لا يفكر بالتعيين في القطاع الحكومي ولا حتى بالعمل داخل البلاد بل هدفه محدد بالحصول على شهادة أكاديمية ثم العودة إلى بلده. هذا هو النموذج السائد عالميًا وهو ما يجعل الطالب الأجنبي مستهلكا للخدمة التعليمية ومحركا للإنفاق، لا منافسا على فرص العمل المحلية.
تجارب الهند وتركيا وإيران وبريطانيا تؤكد حقيقة واحدة وهي ان التعليم العالي يمكن أن يكون صناعة وطنية ناجحة، وكثرة الجامعات في العراق ليست أزمة بل فرصة اقتصادية حين يتحّول الطالب الأجنبي إلى سائح طويل الأمد وتتحول الجامعة إلى محرك اقتصاد ويصبح التعليم مصدر دخل وفرص عمل وصورة إيجابية للعراق في الخارج.. الإمكانات موجودة وما ينقصها هو القرار والرؤية.
ولا بد من الاشارة هنا الى انه لا يمكن تحويل التعليم العالي إلى مورد اقتصادي من دون إشراك الجامعات الأهلية بوصفها جزءًا أساسيا من المنظومة، فالمشكلة ليست في كونها مؤسسات ربحية، فمعظم دول العالم تعتمد نماذج تعليم استثمارية بل في تعرّض بعضها لضغوط وابتزاز إداري يضعف استقرارها ويشوّه سمعة البيئة التعليمية.
إن المطلوب ليس التضييق عليها بل تنظيم عملها بقوانين واضحة تحميها من الفساد مقابل إلزامها بتخصيص جزء من أرباحها لتطوير البنى التحتية والمختبرات والبحث العلمي والمنح الدراسية، فكلما تحسنت جودة هذه الجامعات وبيئتها التعليمية ازدادت قدرتها على استقطاب الطلبة الأجانب لتصبح شريكا فعليا في جلب العملة الصعبة ورفع مستوى التعليم في البلد.العراق لا يحتاج بناء جامعات جديدة بقدر ما يحتاج الى سياسة تعليم دولية فالمقومات موجودة أصلًا مثل كلفة معيشة منخفضة وعمق حضاري وسمعة علمية مقبولة في تخصصات عدة وقرب جغرافي من دول عربية تحتاج التعليم الجامعي.
إن تطبيق خطوات بسيطة مثل تأشيرة دراسية سهلة وبرامج باللغة الإنجليزية وتسويق خارجي وخدمات طلابية منظمة يمكن أن يحول الجامعات العراقية خلال سنوات قليلة إلى قطاع اقتصادي حقيقي يرفد الموازنة ويخلق وظائف ويحسن صورة البلد خارجيا.
إن التعليم العالي في العالم لم يعد شأنا أكاديميا فقط، بل أصبح سوقا دولية كاملة.. والسؤال الاهم الآن هو: هل يستطيع العراق الدخول إلى هذه السوق؟