رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
التجربة الدينية الشخصية رحلة التحول من الأنا المتسافلة إلى الذات المتعالية


المشاهدات 1041
تاريخ الإضافة 2026/02/18 - 10:25 PM
آخر تحديث 2026/02/19 - 12:35 AM

لا شك ولا ريب أن إنجاز الإنسان تجربة دينية مكتملة وإتمام دورة ٣٦٠ درجة، ووصل نقطة النهاية بنقطة البداية على قاعدة (.. كما بدأكم تعودون) [الأعراف ٢٩]، هو حاصل التسديد الإلهي والتوفيق الرّباني، الذي يخرج العبد المؤمن من ظلمات الجهل والشك والشرك والمعصية إلى نور العلم واليقين والإيمان والطاعة، وهذا ما عناه الله تعالى بقوله: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور...) [البقرة ٢٥٧]. وعزّز سبحانه وتعالى قيامه بهذا الدور في حياة البشر من خلال إرسال الرسل والأنبياء -عليهم السلام- مصحوبين بالرسالات والكتب والبيانات، فقال عن آخر الكتب الإلهية القرآن الكريم: (.. قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم) [المائدة ١٥-١٦]. ووفق ذلك صار يستلزم الإنسان لإتمام تجربة دينية مكتملة يبني عبر المرور بها مجاله الإنساني الموحد، ويخرج من خلالها من كل الظلمات إلى النور الخالص، ويتحوّل من فوضى «الأنا المتسافلة» إلى نظام «الذات المتعالية» إنجاز عملية الخلاص من «الأنا» المزيفة في كل مستويات حضورها وسيطرتها من خلال التطور في المستويات الخمسة التالية للوعي والحضور، وهي:
أولاً: الخلاص والتجرد في مستوى الحضور العضوي: ببناء القدرة الشخصية على التحكم في الأعضاء وضبط أدائها بما يتوافق مع المراد الإلهي الديني، ويستدعي تحقيق هذا الأمر ما يلي:
1- تحرير الجسد من العبودية للشهوة والعادة، وذلك عبر نقل الجسد من كونه أداة استجابة تلقائية إلى أداة طاعة واعية، بحيث لا يتحرك إلا بإذن الوعي.
2- إعادة برمجة السلوك العضوي على قاعدة الحلال والحرام، لا بوصفهما قيوداً خارجية، بل قوانين انسجام تحفظ سلامة المجال الإنساني.
3- الالتزام العملي بالفرائض والواجبات السلوكية (الصلاة، الصيام، الطهارة، العفة، كفّ الأذى…) باعتبارها أدوات ضبط عضوي لا مجرد شعائر.
4- تحقيق الانضباط الجسدي والزمني، لأن الجسد غير المنضبط زمنياً يستحيل أن يكون منسجماً مع المجال الإلهي.
وفي النتيجة فإن الجسد هنا ينتقل من جسد غريزي إلى جسد مُسَدَّد، ومؤشر الوعي والحضور هنا يكون في التحرر من أوهام الفرادة العضوية. ثانياً: الخلاص والتجرد في مستوى الحضور الحسّي: ببناء القدرة الشخصية على التحكم في الحواس وضبط أدائها بما يتوافق مع المراد الإلهي الديني، ويستدعي تحقيق هذا الأمر ما يلي: 1- تطهير الحواس من التلوّث الإدراكي الناتج عن الإفراط في الإثارة (الصورة، الصوت، المتعة، الضجيج).
2- الانتقال من الاستهلاك الحسّي إلى المراقبة الحسّية، أي أن تصبح الحواس بوابات وعي لا منافذ شهوة.
3- ضبط مدخلات الوعي، لأن الحواس هي الممرّ الأول لبناء الأفكار والانفعالات.
4- إحياء حسّ الذكر والمشاهدة، بحيث يرى الإنسان الآيات لا الأشياء فقط، والمعنى لا الصورة فقط.
وفي النتيجة فإن الحواس هنا تنتقل من حواس مُستهلِكة إلى حواس شاهدة، ومؤشر الوعي والحضور هنا يكون في التحرر من أوهام الفرادة الحسّية.
ثالثاً: الخلاص والتجرد في مستوى الحضور القلبي: ببناء القدرة الشخصية على التحكم في القلب وضبط أدائه بما يتوافق مع المراد الإلهي الديني، ويستدعي تحقيق هذا الأمر ما يلي:
1- تحرير القلب من التعلّقات المرضية (الهوى، الخوف، الطمع، الحقد، التعلّق بالمدح أو الذم).
2- تنقية النيّة وإعادة توجيه الدافع، ليكون الفعل صادراً عن إرادة وجه الله لا عن إرادة الأنا.
3- تحقيق السكينة بدل التقلّب، لأن القلب المتقلب لا يستطيع تثبيت مجال إنساني موحّد.
4- إحياء مشاعر الإخلاص والخشية والمحبة المتوازنة، بوصفها اهتزازات قلبية منسجمة مع المجال الإلهي.
وفي النتيجة فإن القلب هنا ينتقل من قلب متقلّب إلى قلب مطمئن، ومؤشر الوعي والحضور هنا يكون في التحرر من أوهام الفرادة القلبية.
رابعاً: الخلاص والتجرد في مستوى الحضور الفكري: ببناء القدرة الشخصية على التحكم في الأفكار وضبط أدائها بما يتوافق مع المراد الإلهي الديني، ويستدعي تحقيق هذا الأمر ما يلي:
1- تحرير الفكر من الأنماط القهرية والتلقين غير الواعي، سواء كانت اجتماعية، مذهبية، أو ثقافية.
2- تفكيك الدوائر المعرفية المغلقة التي تحبس الإنسان داخل تأويل واحد ورؤية أحادية للوجود.
3- إعادة بناء الفكر على قاعدة البصيرة لا التبرير، أي التفكير لا للدفاع عن الذات بل لطلب الحق.
4- ضبط حركة الفكرة من المنبع إلى المصب، بحيث لا تتحول الفكرة إلى وسواس، أو إلى أداة إسقاط على الآخرين.
وفي النتيجة فإن الفكر هنا ينتقل من فكر مُدافِع إلى فكر مُبصِر، ومؤشر الوعي والحضور هنا يكون في التحرر من أوهام الفرادة الفكرية.
خامساً: الخلاص والتجرد في مستوى الحضور العقلي: ببناء القدرة الشخصية على التحكم في العقل وضبط أدائه بما يتوافق مع المراد الإلهي الديني، ويستدعي تحقيق هذا الأمر ما يلي:
1- تحرير العقل من الأنا العارفة التي تتوهّم امتلاك الحقيقة بدل السعي إليها.
2- الانتقال من عقل الحكم إلى عقل الإدراك، بحيث يرى الأشياء كما هي قبل أن يحكم عليها.
3- تحقيق التوحيد المعرفي، أي توحيد مصادر الفهم (الوحي/ العقل/ الفطرة) في منظومة واحدة منسجمة.
4- إخضاع العقل لقيادة الوعي لا قيادة الهوى ليصبح العقل أداة كشف لا أداة تبرير.
وفي النتيجة فإن العقل هنا ينتقل من عقل منقسم إلى عقل موحَّد، ومؤشر الوعي والحضور هنا يكون في التحرر من أوهام الفرادة العقلية. الخلاصة الجامعة: عند اكتمال هذه المستويات الخمسة، لا يعود الإنسان يعيش الدين كمنظومة أوامر ونواهٍ، بل كحقل وجودي متكامل، يتوفر على جسد منضبط، وحواس واعية، وقلب مطمئن، وفكر مبصر، وعقل موحّد. وهنا، وفي هذه اللحظة من الوعي المجرّد فقط يتشكّل المجال الإنساني الموحّد، وتتحقق دورة الـ 360 درجة، ويعود الإنسان إلى ربّه كما بدأه، ولكن بحضور وجودي كامل وبوعيٍ معرفي شامل، يصغي ويستشعر ويعيش من خلالهما نداء: (يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي، وادخلي جنتي) [الفجر 27-30].


تابعنا على
تصميم وتطوير