رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الموهبة الشعرية بين عوامل النضج ومتطلبات التجديد


المشاهدات 1042
تاريخ الإضافة 2026/02/18 - 10:25 PM
آخر تحديث 2026/02/19 - 12:22 AM

تُساهمُ مجموعةُ عواملَ تعارفَ النّقادُ عليها باعتبارِها وجهةَ تأثيرٍ في الموهبةِ الشعرية؛ ترتقي بها، وتُحسنُ إنضاجَها، كاكتسابِ اللّغةِ من مناهلها، وارتيادِ فضاءاتِها، ورياضةِ الروحِ حوارًا معَها، والقراءات المكثفة الواعية إحدى وسائل ذلك، غير أنَّها بحاجةٍ إلى أنْ يصحبَها الفكرُ النَّاقدُ الذي يُمَيِّزُ كلَّ حضورٍ معرفي وينتقيه في ميدانِ الذائقة. 
كما أنَّ إقامةَ العلاقة ما بين موروثٍ أصيلٍ وحداثيٍّ معاصرٍ يَسمح لتلك الموهبةِ أن تنفتحَ على آفاقٍ أرحبَ، ويُقيم حلقةَ وصلٍ بين ماضٍ سالفٍ وحاضرٍ متجددٍ، وقد قيل: مَنْ لا ماضيَ له لا حاضرَ له، ومن هنا يتعيَّن على صاحبِ الموهبةِ الشعرية أنْ يجدَ في ذاته مضمون الذاكرة العربية، وأنْ يتتبع مسارَ التجديد فيها عبر توالي الأزمنة، وأنْ يرصدَ حركةَ ما يستجدُّ؛ ليكونَ عينًا على الحياة في تتابع مجرياتها.
ومن الممارسةِ الدؤوبةِ لكل أشكال الثقافة تكتسي الموهبة بعباءة التفرد؛ ذلك أننا لا يمكن أن نُقرَّ بموهبة دون أنْ يكونَ لها مرجعية ثقافية، تزودها بإيحاءٍ دالٍّ على فكرة القبول، كما أنَّ قضايا العصر وما يحيط بالموهوب من زخمٍ في الأحداثِ يجبره على أن يلجَ في معتركِ ما يجري؛ إثباتًا لرأي، ومناصرةً لقضية، وإيناسًا لوجعٍ محدِّق، وإنَّ الانعزال عن كل ذلك يُربِكُ المشهدَ الشعريَّ ويفصلُه عن جوهرِ العَلاقة بين الموهوب والمجتمع.
وما أسلفنا إليه في هذه السطور يرفدُ الموهبة الشعرية بعوامل نضجها مضمونًا، وهو – مما لا شك فيه- يعدُّ من مسلمات الموهبة، أمَّا من الناحية الفنية، فيمكن القول: إنَّ إبداعَ القصيدة العربية وما تحتويه من أسرار على مستوى اللُّغة والتراكيب يجب أن يُنظر إليه بعين عصره، لا تجاهلًا للماضي، إنما إشراقةُ الفكر الجديدة تتطلبُ نوعًا من جدَّة التعبير، ولا يعني ذلك التحررَ مما أرسى دعائمَه أولو الفضلِ من وزنٍ وقافيةٍ؛ بل هما أساس القصيدة العربية، وهما ما يميِّزان الشعر فنًّا عن غيره من الفنون، إنَّما الذي ندعو إليه في هذا المقام أمورٌ عديدةٌ يتطلبُها التجديدُ من حيثُ صياغة المعنى وانتقاء الصورة؛ بحيث لا يأتي المبدع إلى معنى مكرور مطروق ويُجمِّلُه بزينة اللفظ؛ كي لا يكونَ كمن يروِّضُ عنقَه على استيعابِ ياقةٍ ليست له، فدورُه أنْ يأتيَ بجديدِ المعنى على جناحِ الصورةِ المتفردةِ، وهنا يُحكم له بالبراعةِ والشاعرية، أما أنْ يجولَ بخاطرِه في معانٍ وردتْ عند سابقيه، ويُعبِّرَ عنها في سياقِ ما هو مألوفٌ، فهذا مما يشكِّلُ عبئًا على الذائقة المتلقية، وما هو مطلوبٌ منه أنْ يعمدَ إلى التجديد والتعبير بانزياحاتٍ شعريةٍ تجعل المتلقي أسيرَ أبياتِه، ويبقى السؤال هنا: ما مناهل ذلك ومساربه؟ وأنَّى يتأتَّى؟ 
في الحقيقة هذا – بدايةً وقبل كل شيء – من صنع الموهبة والطبعِ الذي فُطر عليه الموهوبُ، ويليه ثانيًا الوعيُ الناقدُ للمقروءِ، والتنوع فيه، ما بين فكرٍ وفلسفة، إنَّنا لا نتخيلُ مبدعًا في نصِّه الشعري يستحقُ لقب الإبداع دون أنْ يكونَ تلميذًا لأسلافه، قارئًا للأدب بشقيه؛ العربي، والأجنبي، سارحًا بخياله في أعماق الأدب، ولا بدَّ هنا من إضافةٍ نُشيرُ إليها من حيث كون الموهوب لا ينبغي له، بل لا يُرى من الجدارة أنْ يميلَ إلى ما عُهدَ في أساليب السلف؛ بل يسعى إلى تشكيلِ أسلوبٍ خاصٍّ بِهِ، يُعْرَفُ بِهِ، ويؤثرُ من خلالِهِ في المُتلقي. 
 


تابعنا على
تصميم وتطوير