رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
واقعــــة من إرث الطــغيان


المشاهدات 1050
تاريخ الإضافة 2026/02/18 - 10:24 PM
آخر تحديث 2026/02/19 - 12:37 AM

يتشابه الطغاة في سلوكهم وكلامهم وتراثهم ، لكي تتناسل الصفات لدى ورثة السلطة ، في القسوة والهيمنة وسلب إرادة الانسان بموافقته أو دونها.. وهذا التشابه لا يقترن بطغاة الشرق، وإن كان فيه الأصل لتأليه الحكام، وإنما في كل البلدان والحضارات والامبراطوريات والدول والحركات السياسية والأحزاب . غير إن تلك الشعوب أخذ الطغيان يذوي فيها ويتلاشى بنسب مختلفة ، بسبب تغير الثقافات والانظمة السياسية والثورات والانتفاضات والحركات الاجتماعية والفكرية ، مع بزوغ المفكرين والثوار والابطال الذين قادوا تلك الثورات وتمردوا بوعي على الطغيان والظلم . 
فيما جُل دول الشرق ما برح يتوارث فيها ذات السلوك ، ما يؤكد قناعتهم أن الطغيان هو السبيل الى دينامية الحكم والسلطة، وإن القمع هو الأسلوب الأمثل مع الشعب ، ذلك الأسلوب المدمر لحقوق الانسان وسلب حريته بالاعتقالات ، ليبقى اسير الخوف، وهو المبدأ الذي يرتكز عليه حكم الطغيان والاستبداد وفق منتسكيو، لتحقيق الطاعة والولاء الاعمى ، لتنمو في داخله غريزة القطيع ، ويغدو أدوات رخيصة لخدمة الطاغية أو المستبد ، الذي يستولي على السلطة بالقوة المسلحة دون الاهتمام برضا الجمهور . 
ويرى الفيلسوف جون لوك ( إذا كان الاغتصاب هو ممارسة إنسان ما لسلطة ليست من حقه، ف‘ن الطغيان هو ممارسة سلطة لا تستند الى أي حق ، ويستحيل أن تكون حقاً لإنسان ما ) . 
وتشير مدونات التأريخ العربي والإسلامي الى أن جُل السلطات إن – لم نقل جميعها – تقوم على الطغيان والاستبداد ، وفرض القوة الغاشمة ورفض الرأي الآخر ووجوب الطاعة والولاء للسطان أو الوالي أو الزعيم أو الرئيس الذي يملك كل السلطة والدولة في شخصه ( المبارك ) بعد إضفاء صفة القداسة ، لكي يخدع الناس ويفرضها بالقهر لامتلاكه السلطتين الزمنية والروحية .. وهؤلاء ينتمون الى ( عائلة الطغيان )، وأن أفراد هذهِ العائلة ( غير الكريمة ) كثيرون ، إذ يبدو إنها هي التي حكمت فترة طويلة من التاريخ . وتعطينا كتب التاريخ العظيمة إنطباعاً أن عدد ( الطغاة ) والمستبدين ، يفوق بشكل هائل عدد الحكام الخيرين أو الصالحين ، وأن هؤلاء الطغاة كانوا دائماً موضوعاً للكراهية والخوف ، ولم يكونوا أبداً موضوعاً للحب والاعجاب. (مجموعة باحثين / الأفكار العظيمة). ونحن في أرض الرافدين ، الولادة للاصنام المقدسة وإنتاج الطغاة ، منذ كلكامش الملك ثلثاه إله ، والى حين نبقى نمنح القداسة الى الحاكم، فيما نحن نستسلم، نصمت ، نعيش بهدوء مع الطاغية ، لينمو الوحش الكامن فينا ، وقد تربى ونشأ في البيئة القاسية للطاغية ، ثم يأتي تفريغ تلك الموجات العنيفة مع الخطوة الأولى لامتلاكها السلطة. إذ أن تاريخ العراق المعاصر ، يزخر بمشاهد التعذيب والقسوة وإراقة الدماء على أرض لم ترتوِ ، ثمة ضحايا تنتظر السقوط ، من طغاة ما برح سقوط القناع يفضح سلوكهم . 
في هذهِ السطور نشير الى أسلوب القسوة باستخدام ذات المفردات لشخصيتين الأولى قبل أكثر من ألف عام حين قال المجرم زياد بن أبيه بعد وصوله الى البصرة والياً ( حرامٌ علي الطعام والشراب حتى أسويها – البصرة – بالأرض هدماً وإحراقاً ! إياي ودلج الليل فأني لا أؤتي بمدلج الا سفكت دمه ! وايمُ الله ، إن لي فيكم لصرعى كثيرةً فليحذر كل امرئٍ منكم أن يكون من صرعاي ) . ( جورج جرداق / علي وعصره ).. تلك الكلمات وذلك التهديد الذي ذكرته مدونات التاريخ ، يعود ثانية على لسان المجرم علي حسن المجيد بعد ثلاثة عشر قرناً ، - ليس لأنه قرأها - وإنما بذرة الطغيان ظلت مستقرة تتكرر باختلاف السلطات في نفوس الطغاة عند الاستيلاء على الحكم وقمع الثوار المناوئين لاساليبها مع سلب الإرادة . ففي الرابع من تموز 1999 كان يوماً مشهوداً في حياة مدينة الرميثة، ففيه إنقضت مجموعة من الرجال الشجعان على حصون النظام وممثلياته في ذلك القضاء – 25 كم شمالي السماوة – ليتحول فجر ذلك اليوم التموزي الى لظى مختلط بأصوات محركات العجلات الكبيرة والصغيرة والانتشار المكثف لقوات الشرطة والحزب والفدائيين والأمن والجيش والمخابرات قرب قرية ( آل كنيعر ) التي تقع على بعد خمسة كيلومترات جنوبي الرميثة إثر قيام كل من (كاظم عبد السادة وعدنان جلاوي بلم وناجح كاظم ورسول هندول) بتنفيذ عدد من الهجمات على مقار ( حزب البعث ) في الرميثة بعد إغتيال الشهيد (محمد محمد صادق الصدر) . وقد طاردتهم السلطات وهدمت بيتوهم وإعتقلت عائلة ناجح كاظم، فيما هربت عوائل الآخرين وطالبوا كاظم عبد السادة بتسليم هؤلاء للمساءلة ومن ثم إطلاق سراحهم فضلاً عن مساءلة أبنائه وأخوانه ولكنه رفض الطلب. لذلك قررت السلطة تقدم الآليات العسكرية من أربعة محاور وترجل المشاة ووجهت الأسلحة وأطلقت النيران لتمزق الصمت وتغتال الهدوء وتحفز القلوب والنفوس القلقة في القرية ، وأخذت العيون ترنو صوب المدى من خلال النوافذ وبين الجداول والسواقي في الأرض الزراعية المفتوحة والمرتفعات الترابية الموزعة في المنطقة ، لتتابع المعركة التي بدأت مع تلك القوات التي إنتشرت في المنطقة عند الفجر وإستمرت ساعات طويلة حتى طلب المهاجمون الهدنة بعد قتل أحد الضباط وإستسلام سبعة من البعثيين، ثم ساد الهدوء مع هبوط الظلام حتى الساعة التاسعة مساءً، حيث انسحب الثوار الى بيتوهم التي حرقت صباحاً، عسى أن يحصلوا على الماء والطعام ولكنهم شاهدوا تعزيزات الجيش تتجه نحوهم، فانسحبوا من دون تناول شيء يطفئ الظمأ ويسد غائلة الجوع ، ليعودا ثانية الى ذات المكان الذي كانوا فيه منذ العصر، ثم تراجعوا الى قرية (الماشة)، غير إن الهدوء وجفاف الملح على سطح الأرض كشف حركتهم فأطلقت قنابر التنوير لتضيء المنطقة ، غير إنهم تمكنوا من الانسحاب بأعجوبة بطريقة النسق المنفرد عند الساعة الحادية عشرة ليلاً حتى وصلوا قرية آل جريب، حيث إستقروا في بيتي هضم طحيور الجياشي وابن عمه شهيد عليوي – الأول شاهدته في السجن الانفرادي حين إعتقلت في مديرية أمن المثنى عام 2000.. في اليوم التالي وصل علي حسن المجيد أحد أفراد عائلة الطغاة الى المنطقة، بعد أن أثارت شجاعة الثوار غيض أزلام النظام ورأسه على حد سواء، وكان من البديهي أن يعمد ذلك المتغطرس المعروف بقسوته الى إتخاذ إجراءات من شأنها أن تلحق الضرر بالآلاف كعقاب جماعي لكافة أهالي المنطقة، وقد وقف على الطريق العام – سماوة ، رميثة – وقال مخاطباً الجميع من الأجهزة الأمنية والعسكرية . 
- ماذا يوجد خلف هذهِ البساتين . 
وعندما عرف بأن البساتين تخفي آثار الوركاء ، أمر بتجريف تلك المساحات الخضراء بمنازلها وبناها التحتية ، مطالباً بأن يشاهد الآثار في المرة المقبلة من مكانه ذاك على الطريق العام ! فتحركت الجرافات ومختلف الآليات لتهدم 308 بيوت ، مع قلع المئات من أشجار النخيل مع إعتقال أقارب المحاربين التي أرسلت بعد حين الى مديرية الأمن . كما أمر بردم الأنهار لحرمان المنطقة من الزراعة لمدة اربع سنوات، وقلع أعمدة الكهرباء وغلق المدارس في المنطقة . 
التقى ذات الأسلوب لطاغيتين ولو بعد قرون ، باستخدام تهديد التسوية للأراضي وقتل المناوئين للسلطة، فالجينات متشابهة عند الطغاة في الحفاظ على الحكم . 
وإذا ما تراجع في الأنظمة التي ترفع شعار الديمقراطية، لا سيما لدى الشعوب التي إنتقلت الى النظام الجديد، في تحول صادم مع غياب الوعي الذي سرق خلال عقود من الزمن، يفضي الى عدم الايمان بقيم الديمقراطية من ناحية ، مع إستمرار نمو بذور الاستبداد في عقول ما برحت تعاني من عقدة إمتلاك السلطة من ناحية أخرى مع ضعف الالتزام الأخلاقي الذي ينمو بالوعي. غير أن قيام الانتفاضات والحركات الاجتماعية المسلحة أو السلمية، ستبقى دليلاً على قدرة الثائرين من أصحاب الحق والمبادئ على فعل المعجزات وقهر الجبابرة بأبسط الوسائل من دون أن يتمكن الباطل، على الرغم من قدرته الهائلة، من تحقيق النصر ولو بعد حين . 
 


تابعنا على
تصميم وتطوير