رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
وسام الدبوني: النحت لغتي الوحيدة للهروب من ضجيج الواقع


المشاهدات 1034
تاريخ الإضافة 2026/02/18 - 10:24 PM
آخر تحديث 2026/02/19 - 12:22 AM

ينتمي الفنان النحات وسام الدبوني إلى جيل من التشكيليين العراقيين الذين تشكل وعيهم الجمالي بين الذاكرة الشعبية والبيئة النهرية وبين الدراسة الأكاديمية والتجربة الحياتية الصعبة. 
من طفولة لعبت بالطين قرب ضفاف الفرات إلى مشاركات ومعارض داخل العراق وخارجه، ظل النحت بالنسبة إليه ليس مجرد ممارسة فنية بل لغة حياة ووسيلة بقاء. 
في هذا الحوار يكشف الدبوني عن جذور علاقته بالفن، وعن تأثير العائلة والمدينة والواقع الاجتماعي في تجربته، كما يتحدث عن معارضه، ورؤيته للنقد، وحلمه بإنجاز نصب يخلد ذاكرة المجتمع العراقي.
* كيف بدأت علاقتك بالنحت؟
ــ بدأت علاقتي بالنحت منذ طفولتي المبكرة، وتحديداً في سن الخامسة تقريباً، حين كنت أتعامل مع الطين والخشب في بيت جدي الحاج رؤوف الدبوني الذي كان يعمل في النجارة وجذوع الأشجار. اكتسبت موهبتي من العائلة، فكان عمي المرحوم الأستاذ عبد الأمير الدبوني يفتح لي مرسمه وأدوات الرسم بلا قيود، بينما كان والدي مسجوناً آنذاك بسبب معارضته للنظام السابق. 
كذلك أسهمت عائلة والدتي في تكوين هذه الموهبة، إذ يعمل خالي الأستاذ محمد حنوش مدرساً للفنون الجميلة في إسبانيا، فترعرعت في بيئة تتذوق الفن والثقافة.
* ما أول إنجاز فني شعرت أنه نقطة تحول في حياتك؟
ــ في عام 2007 شاركت في معرض ومسابقة بعنوان السجين السياسي في النجف الأشرف، وقد أثار الموضوع مشاعري لأن والدي كان سجيناً سياسياً. قدمت عملاً يمثل مخزوناً من الألم الداخلي، وكانت المنافسة شديدة مع أساتذتي وطلاب المحافظات، لكني فزت بالمركز الثاني، وكانت تلك لحظة انتقالة نوعية وثقة حقيقية بقدرتي على مواصلة الطريق.
* ما أثر البيئة في تشكيل مخيلتك الفنية؟
ــ البيئة من أهم مصادر الإلهام بالنسبة للفنان. نشأت في منطقة محرم عيشة قرب ضفاف الفرات في الهندية، وكنت أنتظر عودة أحد المزارعين بطينه لأصنع منه أشكال الحيوانات والأواني ثم أجففها وأحرقها في التنور. 
كذلك بقيت صورة الزوارق والعربات الشعبية في ذاكرتي حتى اليوم، وهي مفردات أستخدمها باستمرار في أعمالي.
* هل واجهت صعوبات في دخولك دراسة الفنون الجميلة؟
ــ نعم، لم أستطع دخول معهد الفنون الجميلة بسبب الظروف الاجتماعية، كما رُفضت في البداية في كلية الفنون الجميلة على قناة الموهوبين بسبب موقف والدي السياسي رغم تفوقي في الاختبار العملي، لكنني بعد جهد كبير وبعون الله تمكنت من تحقيق حلمي والالتحاق بالكلية.
* ماذا تعني الدراسة الأكاديمية للفنان؟
ــ هي عملية صقل وتهذيب للموهبة الفطرية واكتساب خبرة الأساتذة والاحتكاك بالتجارب المحلية والعالمية. فالدخول إلى كلية الفنون لا يعتمد على المعدل فقط بل على اختبار عملي يكشف الموهبة الحقيقية.
* كيف تصف مشاركات الطلبة والمعارض الجامعية؟
ــ هي مرحلة انتقالية جميلة بين الفطرة والأكاديمية، أجواؤها مختلفة ومحاطة برعاية الأساتذة، وفيها روح جماعية وتبادل خبرات لا تتكرر في المؤسسات الرسمية.
* كيف ترى واقع الفن التشكيلي في العراق؟
ــ الفن التشكيلي العراقي امتداد لإرث حضارات سومر وبابل وأكد، ورغم الظروف السياسية والاجتماعية الصعبة أثبت الفنان العراقي حضوره محلياً ودولياً، وهو واقع معقد، لكنه غني ومتجدد.
* هل تتذكر أول تكريم فني في حياتك؟
ــ نعم، في الصف الثاني الابتدائي شاركت بعمل نحتي في معرض مدرسي، وحضر محافظ كربلاء آنذاك، وأشاد بالعمل وتم تكريمي بهدية، وفي اليوم التالي كُرمت في الاصطفاف الصباحي، وكان شعوراً لا يوصف جعلني أطير فرحاً.
* ماذا فعلت بعد التخرج؟
ــ بعد التخرج شعرت بمسؤولية إثبات وجودي، فأنشأت مشغلي الخاص في منزلي، وهو عالمي الذي أهرب إليه من ضجيج الواقع. 
أقضي ساعات طويلة فيه حتى أنسى الوقت والطعام، فالعلاقة بيني وبين العمل الفني علاقة عشق لا تنتهي.
* ما أبرز التحديات التي واجهتك؟
ــ فن النحت مكلف من حيث الأدوات والمواد، وقد عانيت من صعوبة توفيرها، لكنني حاولت إيجاد بدائل بإصرار شخصي لأن التحديات تزيد الفنان قوة ولا توقفه.
* ما فلسفتك في المادة الفنية؟
ــ العمل الفني مزيج بين المادة وإحساس الفنان؛ قد يكون لوناً أو طيناً أو برونزاً أو خشباً، والمهم هو الانسجام الذي يلامس مشاعر المتلقي. وأنا وجدت نفسي في النحت أكثر من أي مجال آخر.
* حدثنا عن معرضك الأخير.
ــ كان بعنوان «فكرة»، واختزلت فيه مفردات البيئة العراقية كالزورق والمشخوف والعربة والكتب. حملت الزوارق فكرة هجرة العقول، كما جسدت بيع الكتب والأسلحة في الأسواق كتعبير عن الواقع المعاصر.
* ماذا تمثل لك مدينتك الهندية؟
ــ هي مصدر دائم للإلهام، فقد نشأت قرب الفرات، وكانت القوارب جزءاً من يومياتي، لذلك أصبحت رمزاً متكرراً في أعمالي. كما نفذت فيها نصباً تذكارياً للشيخ جاسم النويني.
* ما الفرق بين الجدارية والعمل المجسم؟
ــ كلاهما يحمل نفس المشاعر لكن الجدارية لها زاوية رؤية واحدة، بينما المجسم يمتلك زوايا متعددة ويعيش مع المتلقي في الفضاء.
* أيهما أهم: المعرض الشخصي أم الجماعي؟
ــ المعرض الجماعي يتيح الاحتكاك والخبرة وتبادل الأفكار. أما الشخصي فهو حرية مطلقة للفنان في طرح رؤيته بلا قيود، وكلاهما ضروري لتطور التجربة.
* ما أبرز مشاركاتك وجوائزك؟
ــ شاركت في فعاليات وزارة الثقافة وجمعية الفنانين ونقابة الفنانين، وفزت بجوائز منها السجين السياسي وولادة فاطمة الزهراء وجائزة التضحية والفداء، إضافة إلى مشاركات في السودان والسعودية والإمارات.
* من أين تستلهم أفكارك؟
ــ من تفاصيل الحياة اليومية؛ مثل العربانة الشعبية التي استخدمتها في أعمال متعددة لتوليد الدهشة لدى المتلقي.
* كيف تتعامل مع النقد؟
ــ تلقيت نقداً بناءً وهداماً، لكن البناء هو الذي يطور الفنان..
 المهم أن يفلتر الفنان الآراء ويأخذ الإيجابي منها ويترك السلبي.
* ماذا يعني لك الفن التشكيلي؟
ــ هو متنفس روحي وطريقة للتعبير عن المشاعر الإنسانية، ولا أستطيع تخيل حياتي من دونه. إنه امتداد لحضارة العراق وذاكرة الإنسان.
* ما حلمك المستقبلي؟
ــ أحلم بإنجاز نصب كبير في إحدى ساحات بغداد أو المحافظات ينقل معاناة المجتمع ورسائله للأجيال القادمة ويترك بصمة جمالية خالدة.
* شكرا لك متمنيك لك دوام العطاء .


تابعنا على
تصميم وتطوير