رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
كيف صنعت هوليود صورتنا؟ حكاية العربي بين الشاشة والواقع


المشاهدات 1048
تاريخ الإضافة 2026/02/16 - 10:12 PM
آخر تحديث 2026/02/17 - 1:21 AM

لقد جئتُ من بلاد بعيدة…
 بلاد، تقطع فيها أذنك إن لم يعجبهم وجهك.
 وصفٌ قاسٍ، بل وحشي. ومع ذلك، كان هذا المقطع جزءاً من افتتاحية غنائية رافقت طفولتنا دون أن  نأبه إلى ما تحمله من معانٍ. كنا صغاراً، ننتظر الساعة السادسة مساءً، لنتمايل فرحاً مع شارة المسلسل الكرتوني «علاء الدين»، نردد كلماتها ببراءة، دون أن ندرك أن الصورة التي تقدمها عنا ليست بريئة على الإطلاق. منذ ذلك العمر المبكر، بدأت علاقتنا الطويلة مع السينما الأمريكية، التي لم تكتفِ بسرد القصص، بل قدمتنا للعالم – ولأنفسنا – من خلال منظورها الخاص. وفي الحقيقة، لم تبدأ هذه الحكاية معنا نحن الأطفال، بل تعود إلى ما يقارب قرناً من الزمن، منذ السنوات الأولى لنشأة صناعة السينما في هوليوود. فما هي حكايتنا نحن العرب مع هذه الصناعة المؤثرة؟في مكالمة هاتفية مع صديق غربي لم ألتقِ به منذ أشهر، سألني عن رحلتي الأخيرة إلى العراق، وعن صعوبة التنقل هناك. ثم أردف، ببراءته المعهودة: «هل يوجد مطار في العراق؟». للحظة، لم أعرف كيف أجيب. لم يكن السؤال سخرية، بل فضولاً حقيقياً. لكنه كشف حجم الصورة المشوهة التي ترسخت في الذهن الغربي عنا. تساءلت: كيف وصلت هذه الرسائل المغلوطة إلى هذا الحد من الانتشار؟ على مدى أكثر من قرن، دأبت آلة الإنتاج السينمائي في هوليود على تقديم العرب والمسلمين ضمن قوالب نمطية تعكس تصورات مسبقة ومشوهة عن ثقافتهم ومجتمعاتهم. فغالباً ما يظهر العربي في دور الإرهابي، أو المتطرف، أو العنيف، أو الثري الجاهل الذي يعيش بين الخيام والإبل. هذه الصور لا تكتفي بتبسيط الواقع، بل تسهم في ترسيخ أحكام عدائية وتمييز ثقافي وعنصري، وتختزل مجتمعات كاملة في نماذج كاريكاتيرية بعيدة عن الحقيقة.
تكمن خطورة هذه الصورة في قوة الوسيط نفسه. فهوليود لا تملك فقط القدرة على إنتاج الأفلام، بل تمتلك مهارة فنية عالية تجعل رسائلها تبدو طبيعية ومقنعة. المشاهد العادي يتلقى هذه الصور دون مقاومة، خاصة في ظل الهيمنة العالمية لهذه الصناعة، التي دفعت الكثيرين إلى إهمال مدارس سينمائية عالمية أخرى لا تقل قيمة وإبداعاً، مثل الإيطالية أو الفرنسية. وعلى المستوى الشخصي، أتذكر فترة كنت أشاهد فيها فيلمين أو ثلاثة يومياً، لساعات طويلة وعلى مدى سنوات. وعند التأمل في ذلك، يبرز سؤال مهم: كم رسالة خفية مرت علينا دون أن ننتبه؟ 
في كتابه الشهير «العرب الأشرار في السينما»، قام الباحث الأمريكي جاك شاهين بتحليل مئات الأفلام، وخلص إلى أن الغالبية الساحقة منها قدمت العرب بصورة سلبية. فالعربي، وفق هذه الصورة، إما إرهابي غاضب، أو شخصية هزلية تحركها الغرائز، أو ثري متخلف يعيش في صحراء موحشة محاطاً بالذهب والنساء. وتظهر هذه الرسائل أحياناً في مشاهد تبدو درامية أو جذابة، لكنها تحمل دلالات عميقة. ففي فيلم «لورنس العرب»، يظهر زعماء القبائل العرب في حالة من الفوضى والصراخ، عاجزين عن إدارة اجتماع واحد، حتى يتدخل الرجل الأوروبي ليفرض النظام، حين أخذ يطرق بمقبض مسدسه أن اسكتوا…. الرسالة هنا واضحة: العرب غير قادرين على إدارة شؤونهم دون وصاية خارجية. هذا النمط المتكرر من التصوير يتجاهل التنوع الثقافي والاجتماعي الغني في المجتمعات العربية. وبالعودة إلى سؤال صديقي عن وجود مطار في العراق، أتذكر سؤالاً آخر وُجه إليّ سابقاً: «هل لديكم نساء طبيبات؟». مثل هذه الأسئلة قد تبدو صادمة، لكنها ليست غريبة على العرب المقيمين في الغرب. فهي نتيجة طبيعية لصور تراكمت عبر سنوات طويلة من التلقي الإعلامي والسينمائي. أحياناً تُطرح هذه الأسئلة بحسن نية، وأحياناً بدوافع أخرى، لكنها في جميع الأحوال تعكس تأثيراً عميقاً لصورٍ سطحية ومجتزأة. ولا تقتصر هذه الصورة على الرجل العربي، بل تمتد إلى المرأة أيضاً، التي تُقدم غالباً إما كراقصة شرقية في إطار استشراقي مبتذل، أو كشخصية غامضة محجوبة بالكامل، دون أي مساحة لإظهار دورها الحقيقي في التعليم والعمل والمجتمع. إن المشكلة لا تكمن في فيلم واحد أو قصة واحدة، بل في تراكم طويل من الصور المتشابهة التي شكلت وعياً عالمياً مشوهاً. ومع استمرار تدفق هذا المحتوى إلى ملايين المشاهدين حول العالم، تصبح هذه الصور – مع الوقت – بديلاً عن الواقع. وربما هنا تكمن مسؤوليتنا أيضاً: في تقديم سردياتنا الخاصة، وفي دعم إنتاج ثقافي وسينمائي يعكس تنوع مجتمعاتنا وحقيقتها، بدلاً من ترك الآخرين يروون قصصنا نيابة عنا. فالصورة التي تُعرض على الشاشة لا تبقى مجرد خيال… بل تتحول، مع الزمن، إلى حقيقة في عيون الآخرين.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير