
في ظل التحديات الاقتصادية المتفاقمة التي يمرّ بها العراق، تتجه الحكومة إلى اتخاذ إجراءات تهدف ما تصفه بـ(تعظيم الإيرادات العامة وضغط النفقات) بوصفه خياراً لمعالجة العجز المالي. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو
هل تُدار هذه السياسات بمنطق اقتصادي سليم و عادل مستدام، أم أنها تتحول عملياً إلى أعباء إضافية تُلقى على كاهل فئات محددة دون غيرها؟فهي لا تبقى مجرد قرارات فقط ضمن حدودها الورقية في الاقتصاد الحقيقي إضافة الى الأثر المالي الممتد لسنوات
لقد شهدنا في الآونة الأخيرة فرض ضرائب ورسوم على سلع تُصنَّف اقتصادياً ضمن السلع المرِنة، أي تلك التي يتأثر الطلب عليها سريعاً بارتفاع الأسعار. ومن منظور اقتصادي بحت، فإن هذا الإجراء لا يضمن بالضرورة زيادة حقيقية في الإيرادات، بل قد يؤدي إلى تراجع الاستهلاك، وانكماش النشاط التجاري، وخلق موجات تضخمية تمسّ دخل المواطن البسيط قبل غيره، ما يجعل أثره الاجتماعي أكبر من جدواه المالية
وفي السياق ذاته، برز التخبط الواضح في ملف استقطاعات رواتب التدريسيين والمنتسبين في الخدمة الجامعية، حيث فُرضت نسب استقطاع تحت مبررات متعددة ( في وقت انها حكومة تصريف اعمال) ويُفترض أن تكون هذه الشريحة محمية لا مُستهدفة، لكونها تمثل العمود الفقري للعملية التعليمية وبناء رأس المال البشري. إن الضغط المالي على التدريسي لا يُضعف الفرد فقط، بل ينعكس سلباً على جودة التعليم والاستقرار الأكاديمي، ومستقبل التنمية البشرية في البلاد. ولم تشهد ان الدولة تسد عجزها المالي باقتصاد دائري ( نفط يباع يصرف نفقات عامة ورواتب ثم يسحب بحجج ضريبية واستقطاعات مباشرة ) يدفع ثمنها المواطن
من جهة أخرى، طُرحت إجراءات مثل تقليل نسبة الوقود المخصص للسيارات الحكومية، وبيع بعض السيارات التي مضى على استخدامها أكثر من خمسة عشر عاماً، تحت شعار تعظيم الإيرادات. ورغم أن هذه الخطوات قد تبدو منطقية ظاهرياً، إلا أن أثرها المالي الفعلي يبقى محدوداً إذا ما قورن بحجم الهدر الكبير في ملفات أكثر كلفة وتأثيراً، كالعقود غير المنتجة ( رواتب مستشارين والكثير من فئات متعددي الرواتب) والرواتب الوهمية، وضعف الجباية في قطاعات حيوية، ولا سيما المنافذ الحدودية والأنشطة التجارية الكبرى.
ويزداد الإشكال عمقاً حين نلاحظ غياب الرؤية الشاملة في إدارة الملف المالي إذ تُتخذ قرارات متخبطة تعكس سوء الادارة دون إطار اقتصادي متكامل يوازن بين الإيرادات ويراعيالعدالة الاجتماعية. فالسياسة المالية الناجحة لا تُبنى على ردود أفعال آنية لسد العجز شعارات اصلاح اقتصادي بل على تخطيط طويل الأمد يأخذ بنظر الاعتبار أثر القرار على الاستقرار المعيشي، والطلب الكلي، والثقة بالمؤسسات الحكومية. إن الاستمرار في هذا النهج قد يؤدي إلى تآكل الطبقة الوسطى، وهي الركيزة الأساسية لأي اقتصاد مستقرففي الدول الطبيعية تفرض الجباية والضرائب بعد ان يخلق الدخل.
كما أن التركيز على «الإيرادات السهلة» ( الاستقطاع المباشر بسبب سوء الإدارة ) بدلاً من << الإيرادات الذكية>> ( الذي يجب ان تأخذ على الامد الطويل لمعالجة المشاكل من جذورها لانها تعتمد التخطيط الا الضغط)يكشف خللاً واضحاً في ترتيب الأولويات فبدلاً من توسيع القاعدة الضريبية بشكل عادل نرى تضييقاً على فئات محددة دون غيرهامقابل بقاء قطاعات واسعة خارج إطار الجباية الحقيقية سواء في الاقتصاد غير المنظم أو في الأنشطة ذات العوائد المرتفعة وهنا يتحول شعار «تعظيم الإيرادات» من هدف إصلاحي إلى عبء اجتماعي
أما البدائل الممكنة، فهي ليست مستحيلة ولا نظرية بل تبدأ بتفعيل الجباية الإلكترونية ومراجعة الإعفاءات غير المبررة وضبط الإنفاق الحكومي غير المنتج وتقليل الهدر واستثمار أصول الدولة بأسلوب اقتصادي مدروس بدلاً من بيعها بثمن بخس. ويضاف إلى ذلك أن حماية رواتب الكفاءات العلمية والتربوية يجب أن تكون أولوية وطنية ثابتة، وتقليل الرواتب لموظفي الرئاسات الثلاث والوزارات الذهبية لا بنداً خاضعاً للاجتهاد المالي
ختاماً، إن السياسات الاقتصادية لا تُقاس بنيّاتها بل بنتائجها. فالإصلاح المالي الحقيقي لا يُختزل بحجم الاستقطاعات أو عدد القرارات التقشفية بل بقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية وبين تعظيم الإيرادات وصون كرامة المواطن فاقتصاد يُرهق منتجيه ويُضعف مؤسساته التعليمية ويحول الدولة الى محصل ضرائب فقط هو اقتصاد يؤجل انهياره ولا يحل ازماته .