رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
فهم الدين بين منهج الرّواية ومنهج الرّعاية


المشاهدات 1048
تاريخ الإضافة 2026/02/11 - 10:00 PM
آخر تحديث 2026/02/12 - 1:15 AM

قال الإمام علي (ع) في وصف محمد وآل محمد (عليهم السلام): (عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية، لا عقل سماع ورواية، فإن رواة العلم كثير ورعاته قليل). ويروى عنه (ع) أيضاً أنه قال: (اعقلوا الحق إذا سمعتموه عقل رعاية، ولا تعقلوه عقل رواية، فإن رواة الكتاب كثير ورعاته قليل)، وفي خبر آخر روي عنه (ع) قال: (اعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل رعاية لا عقل رواية، فإن رواة العلم كثير ورعاته قليل). وقال الإمام الباقر (ع) في كتابه إلى سعد الخير: (الجهال يعجبهم حفظهم للرواية، والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية). من مجموع هذه النصوص الدينية وغيرها نعي وجود منهجين رئيسيين في فهم ووعي الدين: المنهج الأول: فهم الدين عن طريق السماع والرواية.
المنهج الثاني: فهم الدين عن طريق الوعاية والرّعاية. وقبل أن نحاول التوصل إلى نتيجة في المفاضلة بين المنهجين، وتصويب أحدهما وتخطئة الآخر، علينا أن نتعرّف على الخصائص التي تميّز كل منهج عن الآخر.
فما هي تلك الخصائص التي تميّز منهج السماع والرواية عن منهج الوعي والرّعاية؟
أولا: الفرق بين منهج الرواية ومنهج الرّعاية في المستوى العلمي المعرفي: يقوم منهج الرواية في المستوى العلمي المعرفي على تحصيل النصوص وضبطها ونقلها كما وردت، بحيث تكون وظيفة العقل فيه وظيفة وعاءٍ حافظٍ يجمع الأقوال ويرتبها ويستحضرها عند الحاجة، فيغلب عليه الطابع التجميعي الكمي، ويُقاس التقدم فيه بسعة المحفوظ ودقة النقل، ويكون الاهتمام موجهاً إلى صحة السند وسلامة اللفظ وتوثيق المصدر؛ أما منهج الرعاية فيقوم على استيعاب النصوص وهضمها وإدخالها في بنية الوعي بحيث تتحول من معلومات محفوظة إلى معانٍ مفهومة ومقاصد مدركة وسننٍ كليةٍ مترابطة، فيغلب عليه الطابع البنائي الكيفي، ويُقاس التقدم فيه بعمق الفهم واتساق الرؤية وقدرة العقل على الربط بين الجزئي والكلي، وبين النص والواقع، فلا يكتفي بالسؤال عما قيل، بل ينتقل إلى سؤال لماذا قيل وكيف يُفهم في سياقه وكيف يُرتب أثره في منظومة التفكير، وبذلك تكون الرواية حفظاً للعلم، بينما تكون الرعاية فهماً ناضجاً له وتوظيفاً واعياً لمقاصده.
ثانياً: الفرق بين منهج الرواية ومنهج الرّعاية في المستوى القلبي الشعوري: يقف منهج الرواية في المستوى القلبي عند حدود التأثر العابر الذي يصاحب سماع النص أو ترديده، فينشأ عنه إعجاب بالمعنى أو حماسة للفكرة أو اعتزاز بالانتماء، لكنه غالباً ما يبقى مرتبطاً بالموقف الخارجي الذي أثاره، فلا يتجاوز أثره لحظة السماع أو مجلس المدارسة، وقد يتحول في بعض الأحيان إلى شعور بالتمكّن أو التفوق العلمي من غير أن يُحدث انقلاباً داخلياً عميقاً في النفس. أما منهج الرعاية فيتجاوز حدود الانفعال اللحظي إلى بناء حالة شعورية مستقرة تقوم على الخشية والمراقبة والمحاسبة الدائمة، بحيث يستقر النص في القلب كقيمة حاكمة لا كمعلومة محفوظة، ويصبح الدين معياراً يزن به الإنسان نفسه قبل أن يزن به غيره، فينشأ عنه تواضع لا استعلاء، وخوف مسؤول لا قلق مضطرب، وانكسار أمام الحق لا اعتزاز بالذات، وبذلك تكون الرواية مؤثرة في الشعور ما دام الصوت حاضراً، بينما تكون الرعاية مُشكِّلةً للقلب حتى في غياب المؤثر الخارجي. 
ثالثاً: الفرق بين منهج الرواية ومنهج الرّعاية في المستوى العملي السلوكي: يبقى منهج الرواية في المستوى العملي عند حدود معرفة الحكم والقدرة على بيانه للآخرين، بحيث قد يحسن صاحبه وصف الفضيلة وشرحها واستحضار أدلتها، غير أن السلوك الفعلي يظل خاضعاً في كثير من الأحيان لضغط العادة أو المصلحة أو الهوى، فتظهر فجوة بين ما يُقال وما يُفعل، ويكون الالتزام مرتبطاً بالرقابة الخارجية أو بالحضور الاجتماعي، أما منهج الرعاية فيحوّل العلم إلى قوة ضابطة للسلوك، فيغدو النص معياراً عملياً يحكم القرار اليومي ويقود الاستجابة في لحظة الاختبار، فلا يكون الفرق بين القول والعمل ظاهراً، بل تتوحد المعرفة مع الفعل، ويثبت الالتزام في الخلوة كما في الجلوة، وعند الفتنة كما عند السَّعة، وبذلك تكون الرواية مُنتِجةً لخطاب ديني، بينما تكون الرعاية مُنتِجةً لسلوك ديني متسق يعكس صدق الفهم وعمق التأثر.
الخلاصة الجامعة: تتجلّى الخلاصة الجامعة والنتيجة الأخيرة في أن منهج الرواية، عبر مستوياته الثلاثة، يحفظ الدين في حيّز المعرفة اللفظية أكثر مما يُدخله في بنية الوجود الإنساني؛ فهو علمياً يقوم على جمع النصوص وضبطها، وقلبياً يُحدث تأثراً ظرفياً قد يقف عند حدود الإعجاب أو الحماسة، وعملياً يكتفي ببيان الحكم دون أن يضمن تحقّقه التام في السلوك، فيبقى الدين فيه خطاباً مُتقَناً أكثر منه ممارسةً متجسِّدة. أما منهج الرعاية فينقل الدين من دائرة الحفظ إلى دائرة التشكيل؛ فهو علمياً يستوعب النص ضمن رؤية مقاصدية مترابطة، وقلبياً يُرسِّخه كقيمة حاكمة تولّد الخشية والمحاسبة الدائمة، وعملياً يحوّله إلى معيار فعلي يضبط القرار والسلوك في مختلف الأحوال، فيتحقق الاتساق بين المعرفة والشعور والعمل. وبذلك تكون الرواية حفظاً للدين في الذاكرة، بينما تكون الرعاية تجسيداً له في الوعي والقلب والحياة.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير