رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الشارع يقول كفى


المشاهدات 1043
تاريخ الإضافة 2026/02/11 - 9:59 PM
آخر تحديث 2026/02/12 - 1:15 AM

بينما كانت أروقة المكاتب الحكومية تنشغل برسم جداول الاستقطاع وتوسيع رقعة الضرائب كانت شوارع العاصمة بغداد ترسم مشهداً مغايراً تماماً فلم تكن الصرخة فيه للمطالبة بـ «الكماليات» بل كانت دفاعاً مستميتاً عن «الخبز» الذي طاله مقص المخصصات وعن جيوبٍ أرهقتها الجبايات والالتزامات قبل أن ينتصف الشهر أو يكتمل.
من ساحة التحرير إلى محيط المنطقة الخضراء خرج «أصحاب الحقوق» من الموظفين والمهنيين والعمال جنباً إلى جنب ليعلنوا رفضهم القاطع لسياسة «شد الأحزمة» التي يبدو أنها صُممت بدقة لكي لا تُطبق إلا على خصور الفقراء وذوي الدخل المحدود.
في مفارقة صارخة تجعل من المواطن البسيط المصد الأول والأخير لكل أزمة مالية تعصف بالبلاد، هذا الرفض الشعبي لم يأتِ من فراغ بل هو نتاج تراكمات من الوعود بالإصلاح التي انتهت بمزيد من التضييق على القوة الشرائية للعائلة العراقية، حيث تحولت المخصصات التي كانت تسد رمق العيش وتغطي تكاليف الإيجارات والتعليم والطبابة إلى هدف سهل لخطط التقشف الحكومية مما وضع الاستقرار المعيشي في مهب الريح.
إن ما يحدث اليوم في ساحات المحافظات وبغداد يتجاوز كونه اعتراضاً على أرقام أو نسب مئوية بل هو احتجاج على فلسفة اقتصادية ترى في جيب الموظف والفقير مورداً أسهل من ملاحقة منافذ الفساد الكبرى أو استعادة الأموال المهدورة في صفقات الوهم، فالمواطن الذي يُطالب اليوم بدفع ضرائب وجبايات إضافية هو ذاته الذي يعاني من تردي الخدمات العامة ويضطر لتعويض نقصها من حر ماله ليجد نفسه محاصراً بين مطرقة الأسعار وسندان الاستقطاعات.. إن هذه الحشود التي افترشت الأرصفة تحت لهيب الغلاء تبعث برسالة واضحة مفادها أن الصبر على سوء الإدارة قد يكون ممكناً، لكن الصبر على مساس القوت اليومي هو مراهنة خاسرة على هدوء الشارع، إذ لا يمكن تمرير أي خطة نهوض مالي على حساب مائدة الفقير بينما تظل أبواب الإنفاق البذخي والامتيازات السيادية مشرعة دون مساس.. إنها مواجهة صريحة بين منطق الأرقام الجامد ومنطق الحياة النابض حيث يثبت البغداديون مجدداً أن الكرامة المعيشية لا تقبل التجزئة، وأن أي مقص يحاول قص أرزاقهم سيصطدم حتماً بجدار الصرخة التي دوت في أرجاء العاصمة «كفى» ليكون هذا الحراك بمثابة مراجعة اضطرارية لكل من يعتقد أن الحلول الاقتصادية تبدأ وتنتهي بفرض القيود على رغيف المواطن.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير