رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
مدة العقد.. بين الاستقرار المشروع والتقييد غير المبرر


المشاهدات 1042
تاريخ الإضافة 2026/02/10 - 10:12 PM
آخر تحديث 2026/02/11 - 1:25 AM

في سوق كرة القدم، قد يُنظر إلى مدة العقد على أنها مجرد رقم يُكتب في الصفحة الأولى، لكنه في الحقيقة عنصر قانوني بالغ الحساسية، يحدد شكل العلاقة بين اللاعب والنادي، ويرسم حدود الاستقرار من جهة، وحدود الحرية المهنية من جهة أخرى. لوائح الفيفا لم تترك هذه المسألة للاجتهاد، بل وضعت لها إطارًا واضحًا، لأن التجارب أثبتت أن المبالغة في مدد العقود كانت سببًا في كثير من النزاعات.
تنص لوائح أوضاع وانتقالات اللاعبين على أن الحد الأقصى لمدة عقد اللاعب المحترف هو خمس سنوات، إلا إذا سمح القانون الوطني بمدة أطول. هذه القاعدة لم تأتِ من فراغ، بل لحماية اللاعب من الارتباط بعقود طويلة قد تُقيّد مسيرته، وفي الوقت نفسه لحماية النادي من عدم الاستقرار الناتج عن العقود القصيرة جدًا.
في الواقع، كثير من الأندية تميل إلى توقيع عقود طويلة مع اللاعبين الشباب تحديدًا، بهدف ضمان بقائهم أطول فترة ممكنة. من حيث المبدأ، هذا أمر مفهوم، فالنادي يريد حماية استثماره. لكن المشكلة تظهر عندما يتحول العقد الطويل إلى عبء على اللاعب، خصوصًا إذا تغيرت الظروف الفنية أو الإدارية، أو لم يحصل على فرصة المشاركة.
في بعض الحالات، يوقّع لاعب شاب عقدًا لخمسة مواسم دفعة واحدة، دون أن يدرك أنه ربط مستقبله بالكامل بهذا النادي. تمر سنة أو سنتان دون مشاركة حقيقية، ويبدأ اللاعب بالبحث عن مخرج. هنا يدخل في منطقة قانونية معقدة، لأن العقد ما زال ساريًا، وفسخه دون سبب عادل قد يكلّفه تعويضًا ماليًا كبيرًا.
ومن الأمثلة التي تتكرر كثيرًا، توقيع عقود طويلة مع لاعبين قاصرين ثم تجديدها تلقائيًا بعد بلوغهم السن القانوني، دون مراجعة حقيقية لشروطها. في بعض النزاعات، نظرت الفيفا بعين دقيقة إلى هذه العقود، خاصة إذا تبين أن اللاعب لم يكن مدركًا تمامًا لطبيعة الالتزام طويل الأمد عند التوقيع الأول.
في المقابل، الأندية أيضًا قد تقع ضحية سوء تقدير مدة العقد. فالتوقيع مع لاعب بمستوى معين لمدة طويلة، ثم تراجع مستواه أو تعرض لإصابات متكررة، يجعل العقد عبئًا ماليًا يصعب التخلص منه. هنا يظهر أن المدة ليست ضمانًا دائمًا، بل قد تتحول إلى مخاطرة إذا لم تُدرس جيدًا.
الأندية المحترفة عادةً ما توازن بين الاستقرار والمرونة. فتوقّع عقودًا متوسطة المدى، وتُدرج بنود مراجعة أو تحسين، وتُبقي باب التفاهم مفتوحًا. أما القرارات المتسرعة، سواء بطلب عقد طويل جدًا أو قصير جدًا، فهي غالبًا ما تُصنع تحت ضغط اللحظة، وتتحول لاحقًا إلى مصدر نزاع.
اللافت أن كثيرًا من القضايا أمام الفيفا لم تكن بسبب قيمة العقد، بل بسبب مدته. لاعب يريد الرحيل قبل نهاية عقد طويل، أو نادٍ يحاول إنهاء عقد مبكرًا لتخفيف العبء المالي. في كلتا الحالتين، تُعاد قراءة العقد حرفًا حرفًا، لأن المدة المكتوبة فيه هي التي تحدد مصير النزاع.
خاتمة
مدة العقد ليست مجرد تفصيل إداري، بل قرار استراتيجي يحدد مستقبل اللاعب والنادي معًا. وبين الرغبة في الاستقرار والخوف من التقييد، تقف اللائحة لتضع التوازن. وفي «مرمى اللائحة»، يبقى السؤال دائمًا: هل نوقّع العقد لنحمي المستقبل… أم لنقيده؟


تابعنا على
تصميم وتطوير