رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
“هامنت” ....ما وراء أسطورة شكسبير


المشاهدات 1134
تاريخ الإضافة 2026/02/10 - 10:07 PM
آخر تحديث 2026/02/15 - 2:35 AM

لا يقدّم فيلم «هامنت» سيرةً تقليدية عن وليام شكسبير، ولا يتعامل مع لحظة “المجد” على أنها ذروة الحكاية؛ بل يختار زاوية أشد حساسية وأقرب إلى الإنسان: البيت قبل المسرح، والصدمة قبل الأسطورة. الفيلم من إخراج كلوي تشاو، ومقتبس عن رواية ماغي أوفاريل، وقد شاركت أوفاريل في كتابة السيناريو إلى جانب تشاو، ما يمنح العمل نبرة أدبية واضحة، ويجعل الاقتباس أشبه بمحاولة لالتقاط “روح” الرواية لا مجرد تلخيص أحداثها.
الحكاية تضعنا في قلب أسرةٍ تعيش ما يشبه التصدّع الصامت. لا يبحث «هامنت» عن الدراما العالية بقدر ما يرصد تفاصيل الحزن اليومية: كيف يتبدّل شكل البيت بعد الفقد؟ كيف يصبح الكلام أقل، وتصبح الأشياء الصغيرة أكثر ثقلًا؟ وكيف يتحول الألم—ببطءٍ لا يلاحظه الآخرون—إلى شيءٍ يشبه العزلة داخل العائلة نفسها؟ هنا تصبح السينما أداةً للتأمل، لا سباقًا نحو حدثٍ أو مفاجأة. ويزيد عنوان «هامنت» من كثافة المعنى؛ فهو اسم ابن وليام شكسبير الذي تتمحور حول فقده الحكاية، لتُروى من جهة الألم نفسه لا من جهة الشهرة التي جاءت بعده.
على مستوى الأداء، يتصدر البطولة ثنائي يملك حساسية مناسبة لهذه النبرة: جيسي باكلي في دور “أغنِس”، وبول مِسكال في دور “وليام شكسبير”، مع حضور داعم لإيميلي واتسون وجو ألوين. قوة التمثيل تنبع من بناءٍ داخلي متماسك أكثر مما تنبع من ذروةٍ عاطفية عالية؛ نظرةٌ تقطع الجملة، وصمتٌ يطول، وانفعالٌ مكبوت يمرّ تحت الجلد. باكلي تحديدًا تقدّم شخصية لا تُعرّفها دموعها، بل قدرتها على الاستمرار مع ما يحمله الاستمرار من كلفةٍ خفية.
فنيًا، يدفع الفيلم اتجاهه الهادئ بأدوات عالية المستوى: تصوير لوكاش زال السينمائي يمنح الضوء والطبيعة وظيفة درامية، ويحوّل المشهد إلى ما يشبه “ذاكرة مُصوَّرة”، فيما تأتي موسيقى ماكس ريختر كنبضٍ طويل يرافق الحكاية بدل أن يشرحها. أما الإيقاع فهو بطيء بالمعنى الإيجابي، اختيارٌ واعٍ كي نقترب من الداخل، لأن هذا النوع من الأفلام لا يليق به التقطيع السريع ولا القفز فوق المشاعر.
وعلى مستوى الضجة، يترسخ «هامنت» كعنوانٍ متقدم في موسم الجوائز؛ فقد حصل على 11 ترشيحًا في بافتا 2026، ضمن الأعمال الأكثر حضورًا في القائمة. هذا الرقم وحده لا يصنع قيمة الفيلم، لكنه يكشف حجم الالتفات إليه داخل الصناعة، خصوصًا أن «هامنت» يقدم دراما تاريخية بلهجة معاصرة في الإحساس، دون أن يسقط في فخ الفخامة الفارغة.
تجاريًا، يبلغ طول الفيلم 126 دقيقة، وحقّق إيرادات عالمية تقارب 71 مليون دولار بحسب البيانات المنشورة، وهي حصيلة لافتة لفيلم يراهن على المزاج الهادئ أكثر مما يراهن على الإثارة أو الاستعراض. وقد يرى بعض المشاهدين أن هذا الهدوء وإيقاعه المتأمل يطلبان صبرًا إضافيًا، لكنه رهانٌ مقصود ينسجم مع طبيعة الحكاية.
في المحصلة، «هامنت» فيلم ناضج يربح لأنه لا يرفع صوته، ولأنه يفهم أن الألم الحقيقي لا يحتاج زينة. قد لا يناسب من يبحث عن إيقاع سريع أو دراما مباشرة، لكنه لمن يريد سينما تُصغي وتُحسّ.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير