
لم تكن النخلة في الريف العراقي مصدراً للتمر فقط، بل كانت شجرة الحياة بكل تفاصيلها. فمن جذعها تُقام السقوف، ومن ليفها تُصنع الحبال، أما سعفها فكان يتحول بين أيدي النساء إلى أدوات يومية ترافق الإنسان منذ الصباح حتى الليل. وهكذا تشكلت عبر الأجيال ذاكرة ريفية كاملة قوامها الخوص ورائحتها ظل البساتين.
كانت صناعة الأدوات من سعف النخيل عملاً منزلياً هادئاً يُنجز في أوقات الاستراحة، وغالباً في جلسات نسوية تتخللها الحكايات والأغاني الشعبية. يبدأ العمل بقطع السعف ثم تشريحه إلى خوص رفيع يترك ليجف في الظل، وبعد ترطيبه بالماء يُضفر بعناية حتى يتخذ شكله المطلوب. وكانت المهارة تقاس بانتظام الضفيرة ودقة الحواف.
من هذا السعف خرجت معظم حاجات البيت. الحصير لفرش الأرض صيفاً، والسفّة لإشعال التنور، والطبق لحفظ الخبز، والمكبّة لحماية الطعام، والقفّة للتسوق، والزنبيل لنقل التمر والحبوب. لم تكن هذه الأدوات مجرد أوانٍ بل جزءاً من هوية المكان، حتى إن بعضها كان يدخل ضمن جهاز العروس دليلاً على نشاط صاحبة البيت.
مع دخول المواد الصناعية تراجعت الحرفة شيئاً فشيئاً، لكن حضورها لم يختف من الذاكرة الشعبية. فما زالت قطع السعف تُعرض في المهرجانات والأسواق التراثية بوصفها فناً بيئياً يحكي عن زمن كانت فيه النخلة بيتاً ومطبخاً وأثاثاً، وكان الإنسان أقرب إلى الطبيعة وأكثر اكتفاءً بما تمنحه الأرض.