
يبدو أن المغرب امتلك دراية وخبرة كبيرتين في تدبير الأزمات الطارئة، ونستحضر اليوم تدبير المغرب لكارثة الزلزال الذي ضرب مناطق شاسعة في وسط البلاد وفي جنوبها قبل سنوات من اليوم، وأودى بأرواح آلاف المواطنين وخلّف خسائر مادية فادحة في الممتلكات، وفي البنية التحتية، وخرج المغاربة منتصرين من أزمة حادة بفضل التعبئة العامة لجهود الدولة والمواطنين.
حالياً يواجه المغرب أزمة حادة جديدة تتمثل في الأمطار الغزيرة جدًا التي اجتاحت العديد من المناطق، خصوصاً في شمال المملكة وفي غربها، بعد سبع سنوات عجاف من الجفاف الحاد وجدت البلاد نفسها في مواجهة موسم أمطار كثيفة تسببت بفيضانات عارمة انتشرت في العديد من مناطق البلاد .المعطيات الرسمية المؤقتة تشير إلى أن البلاد استقبلت خلال الشهرين الماضيين فقط حوالي 8,5 مليارات متر مكعب من المياه بما يزيد بنسبة 32 بالمائة عن المعدل السنوي المعتاد قبل سنوات الجفاف، وغطت الثلوج 55 ألف كيلومتر مربع من الأراضي وبما يضاعف بنسبة 475 بالمائة مقارنة مع السنة الماضية وبمعدلات ارتفاع وصلت في بعض الحالات إلى ثلاثة أمتار، وأن 40 سدًا من السدود المغربية تتراوح نسبة الملء فيها ما بين ثمانين بالمائة ومائة بالمائة، مما أجبر السلطات المختصة على اتخاذ قرارات قاسية تتمثل في تفريغ بعض السدود تجنباً لأية كارثة محتملة، مما ضاعف من مساحات الفيضانات. وزاد الأوضاع تعقيدا أن 95 بالمائة من الفرشة المائية عرفت حالة إشباع كامل ولم تعد هذه الفرشة تقبل امتصاص المياه في عمقها، وقذفت بها إلى فوق سطح الأرض مما زاد من حجم الفيضانات .الحصيلة المؤقتة لهذه المعطيات دفعت بالبلاد إلى حالة أزمة حادة تكاد تكون غير مسبوقة مما استوجب اتخاذ تدابير استباقية جسدت قدرة المغرب الفائقة على تدبير هذه اللحظة الصعبة، إذ تكاثفت جهود العديد من الأطراف الرسمية والأهلية لتجنيب البلاد كارثة حقيقية لا قدر الله .فقد أمر جلالة الملك محمد السادس بنزول الجيش إلى ساحة هذه المواجهة، وسخرت إمكانيات تقنية ولوجستيكية وفنية بما في ذلك الطائرات المروحية ووسائل النقل والإنقاذ، والتحق آلاف المواطنين المتطوعين بركب هذه المواجهة للمساهمة بما ملكت أياديهم من إمكانيات .وهكذا، وفي زمن قياسي تم إجلاء 108 ألف مواطن من مدن وقرى اجتاحتها موجة الفيضانات، ونقلوا إلى مخيمات نصبت في مناطق آمنة، إذ توفرت شروط الاستقرار الكامل كافة.. موازاةً مع كل ذلك، تابعت الجهات المختصة من خلال فرق من الخبراء والتقنيين التطورات المتسارعة، وحرصت على التواصل مع الرأي العام من خلال جميع وسائل الإعلام والتواصل بما ساهم في تكريس أجواء الثقة والاطمئنان.وإلى حدود هذه اللحظة، فإنه رغم حدة الأزمة وخطورتها البالغة، فإن إدارتها وتدبير تفاصيلها تعرف معدلات نجاح عالية جدا، في إطار منهجية دقيقة ومتناسقة وضعت في مقدمة أولوياتها سلامة الأرواح، لذلك لم تسجل أية خسائر على هذا المستوى هكذا إذن، وإن اجتاحت البلاد أجواء حزن وأسى عميقين بسبب ما تواجهه البلاد من أجواء مناخية بلغت مداها في التطرف والتشدد، فإنه في المقابل تسود أجواء ثقة واطمئنان في قدرة المغاربة على مواجهة ما تتعرض له البلاد، ما يؤكد أن الأمر يتعلق بدولة حقيقية تمتلك من عناصر القوة والوحدة والكفاءة بما يؤهلها لمواجهة الأزمات الطارئة بتفوق عالٍ.