رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
التشكيلية هدى أسعد من الجذور إلى الفضاءات الحرة


المشاهدات 1047
تاريخ الإضافة 2026/02/04 - 10:26 PM
آخر تحديث 2026/02/05 - 1:25 AM

 تمثل تجربة الفنانة التشكيلية العراقية هدى أسعد  واحدة من التجارب البصرية التي اشتغلت بهدوء وعمق على مفاهيم التحول، والبحث عن الجمال في الهامشي والمهمَل، والانطلاق من الموروث الحسي والبيئي نحو فضاءات تعبيرية معاصرة. منذ بداياتها الأولى في الطفولة، مرورًا بالدراسة الأكاديمية في معهد وكليّة الفنون الجميلة، وصولًا إلى حضورها في المعارض المحلية والعربية والدولية، ظلت أسعد تنحت مسارها الفني الخاص، متكئة على التجريب، والبحث التقني، والاشتغال على مفردات بصرية تحمل دلالات الحياة والموت، الثبات والتحول، السكون والحركة. في هذا الحوار المطوّل، تفتح الفنانة هدى أسعد أرشيف تجربتها، وتستعيد البدايات، والتحولات، والأسئلة الجمالية التي شكّلت وعيها ومسارها الفني.
* اهلا بك ست هدى ضيفة على جريدة الزوراء جريدة المبدعين .
ـ  اهلا ومرحبا بك استاذ جمال وبجريدة الزوراء ذات الارث الكبير.
* كيف تتذكرين البدايات الأولى لعلاقتك مع الرسم واشلفن التشكيلي؟ وهل كانت موهبة فطرية أم خيارًا واعيًا منذ الطفولة؟
ـ  بدأت علاقتي مع الرسم منذ الطفولة المبكرة، حيث كنت أميل بشكل فطري إلى الرسم والتخطيط باستخدام أقلام الرصاص والألوان الخشبية وألوان الماجك على الورق. كان الرسم بالنسبة لي مساحة تلقائية للتعبير، ووسيلة لاكتشاف العالم من حولي. إلى جانب ذلك، كنت أشارك في النشاطات المدرسية، وأزور المعارض الفنية وقاعات العرض، مثل قاعة الأورفلي في المنصور وقاعة الأميرات، ما عزّز ارتباطي المبكر بالفن. في تلك المرحلة، لم يكن الفن مجرد هواية عابرة، بل ممارسة يومية تنمو معي وتكبر. ومع دخولي معهد الفنون الجميلة في العام الدراسي 1989–1990، بدأت الموهبة تأخذ شكلًا أكثر وعيًا، خاصة مع تشجيع الأساتذة المتميزين الذين أسهموا في صقل معرفتي الفنية وتوجيهي نحو مسار أكثر نضجًا.
* ما اللحظة أو الحدث الذي جعلك تحسمين قرارك بأن يكون الفن مسارك المهني والحياتي؟ 
ـ  لم تكن هناك لحظة واحدة حاسمة بقدر ما كان الأمر تراكمًا داخليًا نابعًا من حب عميق للفن، ولا سيما الرسم. شعرت بأن الفن هو مرآة الوجدان، وأداة راقية للتعبير عن الذات، ووسيلة لتهذيب الذوق والارتقاء بالإنسان نحو الجمال. الفن بالنسبة لي شريان حياة، ومساحة لاكتشاف النفس وبناء عوالم خاصة، ومتنفّس للتغلب على ضغوط الواقع. مع مرور الوقت، تحولت هواية الرسم إلى أسلوب عيش، وإلى قناعة بأن الفن هو خياري المهني والحياتي.
*  كيف أثّرت بيئة بغداد ثقافيًا واجتماعيًا في تشكيل وعيك الجمالي المبكر؟ 
ـ  لعبت بغداد دورًا أساسيًا في تشكيل وعيي الجمالي، بما تحمله من تراكم حضاري وثقافي وبصري. المدينة بمزيجها الفريد من التراث العريق، مثل الشناشيل وضفاف دجلة، إلى جانب التحولات الحداثية، شكّلت فضاءً بصريًا غنيًا. المشهد الثقافي البغدادي، من القشلة إلى كلية الفنون الجميلة، أسهم في تعزيز ثقافة الصورة والفن البصري، وربط الجمال بالهوية والذاكرة والحنين. كل هذه العناصر انعكست في ميولي للرسم، ومنحتني وعيًا مبكرًا بقيمة الجمال الكامن في التفاصيل اليومية.
* ما الدور الذي لعبه معهد الفنون الجميلة في صقل أدواتك الأولى وتوجهك الفني؟ 
ـ  كان معهد الفنون الجميلة المحطة الأساسية في تطوير مهاراتي الفنية، حيث انتقلت من الموهبة الفطرية إلى التعلم الأكاديمي المنهجي. في المعهد، تعمقت في فهم الرسم بوصفه لغة إنسانية شفافة، وتعلمت كيفية التعامل مع الموجودات بصريًا وفكريًا. تشجيع الأساتذة ودعمهم كان له أثر كبير في بناء ثقتي بنفسي، وفي تعميق علاقتي بالفن كبحث دائم عن الجمال وصدق التعبير.
* مَن هم الأساتذة أو التجارب الفنية التي تركت أثرًا واضحًا في تكوينك خلال مرحلة الدراسة؟ 
ـ  تأثرت بالعديد من الأساتذة الذين كان لهم دور فاعل في تكوين تجربتي الفنية. في معهد الفنون الجميلة تعلمت على يد أساتذة مثل سلمان عباس، محمد مهر الدين، مهين الصراف، وليد نصر الله، وسالم الدباغ. أما في كلية الفنون الجميلة، فقد أسهم أساتذة مثل الدكتور ناظم حامد، حسام عبد المحسن، محمد الكناني، حيدر خالد فرمان، بلاسم محمد، والدكتور نجم حيدر في توسيع آفاقي الفنية والفكرية، خصوصًا في مجالات الفلسفة وعلم الجمال والنقد الفني. كان لتجربة الأستاذ حيدر خالد فرمان تأثير واضح في أعمالي، خاصة في معرضي الشخصي الأول.
* كيف تصفين تجربتك بين الدراسة الأكاديمية الأولى والعودة لاحقًا إلى كلية الفنون الجميلة عام 2012؟ 
ـ  أعتبر العودة إلى كلية الفنون الجميلة عام 2012 استكمالًا جوهريًا لمساري الفني، حيث مثّلت هذه المرحلة دمجًا بين النظرية والممارسة. الدراسة الأكاديمية المتقدمة أسهمت في تطوير مهاراتي التقنية والبصرية، وتعميق فهمي للفن المعاصر، وربط الموروث الحضاري بتاريخ الفن الحديث. كانت تجربة ضرورية لكل فنان يسعى لتحويل شغفه إلى ممارسة مهنية واعية.
* ما أول خطوة عملية اتخذتها للانتقال من الهواية إلى الاحتراف الفني؟ 
ـ  كانت الخطوة الأولى هي الاستمرارية في العمل، وهي الأهم والأجمل. الانتقال إلى الاحتراف يتطلب شغفًا ومثابرة وتخطيطًا دائمًا. بدأت أتابع تجارب الفنانين العراقيين والأوروبيين، وأطّلع على المدارس الفنية المختلفة، وأطرح على نفسي أسئلة الهوية والأسلوب. هذه المرحلة بإقامة معرضي الشخصي الأول «اختزالات» في قاعة حوار، حيث بدأت بتشكيل مساري الفني الخاص.
*  هل واجهتِ صعوبات أو تحديات اجتماعية أو مهنية في بداياتك، وكيف تعاملتِ معها؟ 
ـ  نعم، واجهت تحديات متعددة، منها المادية والإبداعية والمهنية، إضافة إلى التعامل مع النقد والرفض. لكنني تعاملت مع هذه الصعوبات بوصفها حوافز للإنتاج والتجديد، ووسيلة لتحدي الذات والاستمرار في العمل.
* كيف كنتِ ترين المشهد التشكيلي العراقي عند انطلاقتك الأولى، وأين وجدتِ نفسك داخله؟ 
ـ  من خلال زياراتي للمعارض واطلاعي على المدارس الفنية، بدأت أبحث عن مكاني داخل هذا المشهد. 
لم أرغب في تقليد الآخرين، بل في إيجاد صوتي الخاص. مع الوقت، ومن خلال التجريب وإقامة المعارض الشخصية، بدأت تتضح ملامح مساري الفني.
* متى شعرتِ للمرة الأولى بأن لكِ هوية فنية خاصة بدأت تتشكل؟ 
ـ  بدأت أشعر بتكوّن هويتي الفنية مع معرضي الثاني «علامات تكوينية» في عمّان. في تلك المرحلة، اخترت مفردة الشجرة اليابسة، بوصفها رمزًا للحياة الكامنة في الموت، وحولت هذه الوحدة التشكيلية إلى فضاء جمالي يعكس رؤيتي الخاصة.
* كيف تصفين تطور تجربتك الفنية من حيث الفكرة والأسلوب واختيار الموضوعات عبر السنوات؟ 
ـ  مرت تجربتي بتحولات عدة، من الرمزية والحروف والكتابات إلى التعبيرية الخالصة والفضاءات الحرة. تطور الأسلوب ترافق مع تطور تقني، حيث انتقلت من استعمال مواد محددة إلى تقنيات أكثر كثافة، واستخدام أدوات متعددة مثل الرولة والفحم والعمل المباشر باليد. هذا التطور نابع من التجريب المستمر والنضج الحسي والفكري.
* ما عدد معارضك، وماذا مثلّت لك معارضك الشخصية على مستوى التحول الفني؟ 
ـ  شاركت في معارض كثيرة داخل العراق وخارجه منذ أوائل التسعينيات، وأقمت خمسة معارض شخصية، من «اختزالات» إلى «فضاءات حرة». 
هذه المعارض مثلت محطات أساسية في تطور تجربتي، وأسهمت في ترسيخ وحدتي الأسلوبية رغم التحولات التقنية والفكرية.
*  كيف انعكست مشاركاتك الواسعة على وعيك بالتجربة التشكيلية المعاصرة؟ 
ـ  أسهمت المشاركات في إثراء ثقافتي الجمالية، وتوسيع مخزوني البصري، واكتساب خبرات جديدة من خلال الاحتكاك بالتجارب المختلفة.


*  ما أهمية الاحتكاك بالتجارب العربية والعالمية في بلورة رؤيتك الفنية؟ 
ـ يعد الاحتكاك بالتجارب العربية والعالمية ركيزة أساسية لتطوير الرؤية الفنية، إذ يفتح آفاقًا جديدة، ويعزز الإبداع، ويمنح الفنان فرصة للمنافسة والتجديد.
* كيف تتعاملين مع الأدوات والخامات والتقنيات؟ وهل تخضع لاختيار فكري أم حدسي؟ 
ـ  أتعامل مع الأدوات والخامات وفق رؤية فكرية مسبقة، مع ترك مساحة للحدس أثناء التنفيذ. كل عمل يمر بمراحل من الإضافة والحذف، بهدف الحفاظ على وحدة الأسلوب والجمالية.
* إلى أي مدى أثّرت التحولات السريعة في الفن التشكيلي المعاصر على اشتغالك الفني؟ 
ـ  أثرت هذه التحولات بشكل واضح، خاصة مع دخول التكنولوجيا والوسائط الرقمية، ما يستدعي مواكبة دائمة لمفاهيم ما بعد الحداثة.
* كيف تنظرين إلى حضور الفنانة العراقية اليوم في المشهد التشكيلي العربي والدولي؟ 
ـ  أرى حضورًا مميزًا للفنانة العراقية اليوم، مع مشاركات واسعة عربياً ودولياً، وقد استطاعت المرأة العراقية أن تفرض صوتها وبصمتها الفنية بجدارة.
* ما المحطات التي تعتبرينها مفصلية في دخولك الساحة الفنية؟ 
ـ  كل معرض شخصي هو محطة مفصلية، لأنه يفتح أفقًا جديدًا للتجريب والبحث.
* أين تضع هدى أسعد نفسها اليوم من تجربتها الفنية؟ 
ـ  أضع نفسي في مرحلة نضج وتجريب مستمر، حيث لا يزال البحث قائمًا، والفن بالنسبة لي غذاء وسعادة وقوة.
* ما طموحاتك الفنية القادمة؟ 
ـ  أطمح إلى إقامة معرض شخصي في إيطاليا، ومواصلة العمل والعطاء الفني دون توقف.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير