
يعود فيلم «القناني المسحورة» ليضع الرسوم المتحركة العراقية على خريطة العروض التجارية بعد غيابٍ طويل، بوصفه عملاً يمتد (70 دقيقة) صُنع بأيدٍ عراقية خالصة، واستغرق إنجازه قرابة ست سنوات، في تجربة تُقرأ بوصفها “عودة صناعة” بقدر ما هي فيلم موجّه للترفيه العائلي. هنا لا يصبح الفيلم مجرد عنوان جديد في شباك التذاكر المحلي، بل علامة على محاولة استعادة نوع سينمائي ظلّ شبه غائب عن الإنتاج العراقي لعقود، رغم حاجته الملحّة إلى مخاطبة الأطفال والناشئة بلغة الصورة والخيال.
الفيلم من إخراج (أنس الموسوي)، ومن تأليف الكاتب (مصطفى شريف)، وهو ما يمنح العمل هوية واضحة: حكاية محلية تستند إلى رموزٍ وأجواءٍ من “بلاد ما بين النهرين”، مع رغبة صريحة في استعادة التراث بصياغةٍ مُبسّطة تناسب الناشئة. ويحسب للفيلم أنه لا يكتفي بإطارٍ “تاريخي” عابر، بل يحاول تحويل المكان إلى جزء من السرد، بحيث تصبح المدن القديمة—وأبرزها بابل—مسرحًا للمغامرة، لا مجرد خلفية زخرفية.
على مستوى الحكاية، يتتبع الفيلم قصة ملكٍ طيبٍ لا يملك أولاداً، ينطلق في رحلة نحو مدينة بابل بحثاً عن حلٍّ لمشكلته، قبل أن يصطدم بوجهٍ آخر للمدينة بعد أن سيطر عليها “ساحرٌ ملعون” يُدعى «أوشوم»، ويملأ بواباتها بكائناتٍ عجيبة، لتتحول الرحلة إلى اختبارٍ للشجاعة والتعاون وتحمّل المسؤولية. وبذلك لا يكتفي الفيلم بالمغامرة بوصفها هيكلًا سردياً، بل يحمّلها وظيفة تربوية مباشرة، إذ يؤكد صُنّاعه أنه يستهدف الفئة العمرية (8–15) عاماً، مع ملاءمةٍ للعائلة العراقية عموماً، عبر رسائل عن الإيثار والصدق والعمل الجماعي. والأهم أن هذه الرسائل تأتي ضمن مسار القصة نفسها: تحديات، اختيارات، وخسارات صغيرة تفتح الطريق أمام نمو الشخصية، بدل أن تتحول القيم إلى “خطب” منفصلة.
فنيًا، يراهن «القناني المسحورة» على خلق عالمٍ بصريّ يستطيع شدّ انتباه الطفل: شخصيات متعددة، كائنات غريبة، وتوازن بين الخوف الخفيف والإثارة المحسوبة. وهذا التوازن ضروري في أفلام الناشئة؛ لأن الرعب الزائد ينفّر، فيما التبسيط الزائد يقتل التوتر. ومن هنا تبدو “المعركة” في الفيلم ليست معركة سيفٍ فقط، بل معركة خيال: كيف تجعل الطفل يتابع دون أن تفقد الأسرة شعورها بالأمان داخل القاعة.
أهمية «القناني المسحورة» لا تنحصر في قصته، بل في سياقه الإنتاجي أيضاً. كونه يمثل أول تجربة “أنيميشن” عراقية طويلة تُنجز محلياً منذ فيلم «الأميرة والنهر» عام 1982 للمخرج الراحل (فيصل الياسري)، وهو فارقٌ زمني يتجاوز أربعة عقود. ويشير فريق العمل إلى أن محدودية الإمكانات التقنية والتمويلية كانت التحدي الأكبر، وأن إنجاز الفيلم بميزانية محدودة قياساً بمعدلات الإنتاج العالمية لأفلام التحريك هو جزء من “حكاية الفيلم” خارج الشاشة. وفي السينما، أحيانًا تكون “قصة صنع الفيلم” بحد ذاتها سببًا لاهتمام الجمهور، لأنها تكشف عن مقدار الجهد المبذول لإطلاق مشروعٍ يبدو بديهيًا في صناعات أخرى.
إنتاجياً، جرى الحديث عن شراكةٍ ودعمٍ من نقابة الفنانين العراقيين مع جهاتٍ واستوديوهات محلية، بينها “أستوديو البوابة الذهبية”، إلى جانب مساهمات من شركات أخرى، في محاولة لصناعة نموذج يمكن البناء عليه لاحقاً.
وأكد نقيب الفنانين العراقيين (جبار جودي) في حديثٍ صحفي سابق: أن النقابة قدمت دعماً كاملاً لفيلم «القناني المسحورة»، معتبرًا إياه تجربةً طموحة تعيد صناعة التحريك إلى الواجهة. وأضاف أن تبنّي المشروع جاء لقناعته بأهميته التاريخية بوصفه أول فيلم رسوم متحركة عراقي طويل منذ أكثر من أربعة عقود.
كما تشير تغطيات إلى أن الفيلم حصد جائزة خاصة ضمن مسابقة أفلام الأنيميشن في “مهرجان بغداد السينمائي” في دورته الثانية، بما يعزز الاهتمام به داخل الوسط الثقافي قبل وصوله إلى الجمهور الواسع.
أما على صعيد العرض، فقد طُرح الفيلم تجارياً في بغداد ومدن عراقية أخرى، في خطوة تُراهن على إعادة الأطفال والعائلات إلى قاعات السينما، وربما—إن حقق حضوراً معقولاً—فتح شهية السوق المحلية على مشاريع تحريك جديدة. وفي المحصلة، يبدو «القناني المسحورة» فيلماً يطلب من المشاهد أن يراه بصفته مغامرةً عائلية من جهة، وإعلانَ عودةٍ لصناعة كانت غائبة من جهة أخرى؛ وكلتاهما تستحقان التوقف عندهما في موسمٍ يزدحم عادةً بالمستورد أكثر من المحلي.