
إذا ما أحسنا الظن بهم وبطرحهم، يقع بعض من المحللين واصحاب الرأي بلبسٍ كبير عند الحديث عن الواقع السياسي الحالي او حتى الامني والاقتصادي، فهم لايميزون بين امرين وهما : متى يجعلون الاولوية لمصلحة الوطن على المصالح الاخرى، ومتى تكون مصلحة المواطن هي الاسمى وتتغلب على ماسواها ، بمعنى لو تمت مناقشة موضوع يمس السيادة العراقية على سبيل المثال، وبسوء نية، وهنا نتحدث عن البعض الاخر ممن يراهنون على عدم مقدرة الدولة على مواجهة اي اعتداء خارجي بحجة ان القوات الامنية تفتقر الى الكثير من الادوات والاسلحة، وهي بالتالي فقيرة عسكريا لمثل هكذا طارئ، او إذا ما تمت مناقشة موضوع اقتصادي او سياسي او غيرها من الامور التي تستوجب الوقوف عليها واعطاء حلول ناجعة ، تجدهم يطرحون كل ما هو سلبي يجعل من المتابع والمتلقي بتذمر مستمر وبحالة ناقمة من الوضع الآني، وهنا ربما سيتوارد في ذهن القارئ الكريم اكثر من شخصية ينتهجون هذا النهج الخبيث غير مكترثين لما سيكون.
قبل ايام قلائل، مر علينا حدثان مهمان من دون تسليط الضوء الكافي عليهما ولم يأخذان استحقاقهما من حيث الاهمية، الاول هو الانسحاب الاميركي من العراق ومدى اهمية ذلك الامر على استقرار البلد، وفي نفس الوقت يعتبر هذا الامر سابقة للولايات المتحدة على الاقل في العقود الثلاثة الماضية، فهي معروفة منذ الحرب العالمية الثانية عندما تبني قواعد عسكرية في دولة ما تستوطن فيها ولا يمكن اخلاء تلك القاعدة مهما كلف الامر، واستكمالا لدورهم المشين، روج البعض من المحللين السياسيين بأن الامر لا يخلو من مكيدة، فالانسحاب التكتيكي للولايات المتحدة الاميركية ما هو إلا انسحاب وهمي وغير واقعي حتى إن حصل ذلك فهذا الانسحاب يعتبر إيذاناً لضربة اميركية ـ اسرائيلية على ايران، وبالتالي خوفا على قواعدها من ردة الفعل الايرانية والتي سبق لها أن توعدت بضرب المصالح الاميركية في منطقة الشرق الاوسط.. بالتأكيد ان تعشيق مثل تلك الافكار من قبل هؤلاء القلة من المنتفعين على اذهان الناس هو الغاية والمبتغى دون افهامهم بأن ما جرى هو عبارة عن اتفاقية وقعت في عام 2008 بين الحكومة العراقية والولايات المتحدة سميت باتفاقية الاطار الستراتيجي، وعلى هذا الاساس كثفت الحكومة الحالية من اجراءاتها للسير بتنفيذ تلك الاتفاقية، وأفهمت الجانب الاميركي بأنه لا ضرورة لبقاء القوات الاميركية داخل الاراضي العراقية .
أما الامر الاخر وهو إلغاء تفويض الحرب في العراق وهو مايعني ان تصويت الكونغرس الاميركي على الغاء القوانين القديمة التي منحت رؤساء الولايات المتحدة السابقين صلاحيات واسعة لشن الحرب على العراق وهو ما حصل في السنوات 1991 لشن حرب الخليج لتحرير الكويت من احتلال صدام حسين و 2002 لشن الحرب على العراق واسقاط نظامه، ربما لم يفهم البعض ما مدى اهمية الغاء هذا التفويض، وما الاثار المتحصلة من هذا الالغاء، بطبيعة الحال وحسب ما كانت عليه سياسة الولايات المتحدة قبل اقرار هذا القانون كان للرئيس الاميركي صلاحية توجيه الضربات العسكرية والتدخل العسكري لأي بلد دون الرجوع الى المؤسسات الاميركية. أما اليوم فلا صلاحية له إلا بعد موافقة الكونغرس، والامر الاخر ان هذا القرار يعد بمثابة تقطة تحول بالسياسات الاميركية تجاه العراق، ويعني انه يتم التعامل مع العراق ضمن اتفاقيات جديدة، وليس على اساس قوانين الحرب القديمة.
ومن هنا، ومن باب التساؤل ، ما انطباع المحللين والمعارضين للعملية السياسية الحالية وبالاخص الماكثين في خارج العراق مما حصل خلال هذه الفترة من انجازات وتفاهمات كبيرة؟ هل سيفهمون جمهورهم بأنهم اخطأوا التقدير في حق هذا البلد، وانهم كانوا مخطئين من خلال سعيهم لبث سموم افكارهم الحالمة والساعية لهدم العملية السياسية، ام سيستمروا بوهمهم ونهجهم المعادي؟!.