رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
أشياء لا تشغل حيزاً من الفراغ


المشاهدات 1238
تاريخ الإضافة 2026/02/01 - 9:57 PM
آخر تحديث 2026/02/04 - 2:36 AM

في الدول التي تسعى لترسيخ سيادتها، يُفترض أن تُدار الاستحقاقات السياسية ضمن الأطر الدستورية، وبإرادة وطنية خالصة. لكن في منطقة الشرق الأوسط اعتادت هذه الإرادة الوطنية على تقاطعٍ في المصالح الدولية، فلا تبقى القرارات الداخلية بمعزلٍ عن المواقف الخارجية..  سواء كان هذا القرار الوطني المعني جاء هو أصلا بمباركة تلك الدولة الخارجية في يوم ما، أم لا. وهنا تتبادر إلى ذهني حادثة ما، ففي عام 2006 عندما استقبل الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك مستشارة الأمن القومي حينها كونداليزا رايس قبل أن تتسلم وزارة الخارجية.. رايس أعلنتها، وعلى الملأ وهي على التراب المصري، وأمام الصحفيين وبجانب الرئيس المصري: «إن على الحكومة المصرية أن تثبت أنها سائرة على طريق الديمقراطية»!. هي لم تكن الحادثة الأولى ولم تكن الاخيرة!، وهي بهذا المنطلق كانت قد ألغت كل التقاليد البروتوكولية والأعراف الدولية، مع نظامٍ أسدى خدمةً كبيرة للكيان بتمهيد سبل التطبيع مع دول المنطقة. وفي الحاضر وهنا، تحديداً، تصريح دونالد ترامب حول الترشيحات العراقية لمنصب رئيس الوزراء لا يضيف شيئاً للواقع الراهن في المنطقة. لكن يثير الاعتراض الصريح الذي أبداه الرئيس الأميركي دونالد ترامب على ترشيح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي جملة من التساؤلات. هل لهذه التدخلات دلالة على هشاشة النظام الداخلي لدول الشرق الأوسط؟ وهل هذا يعني أن معظم أنظمة الحكم القائمة في المنطقة جاءت بمباركةٍ أمريكية؟ وإن كانت الفرضية صحيحة، فهل هذا يعني أن أنظمة الحكم القائمة في المنطقة التي هي بالأساس على وئام مع الولايات المتحدة الأمريكية، عرضة للتغير؟
 تساؤلات تتجاوز شخص المرشح نفسه، لتلامس جوهر الإشكالية المزمنة في علاقة الولايات المتحدة بالمنطقة عموماً، وبالعراق على وجه الخصوص. فبعيداً عن الموقف من المالكي، سلباً أو إيجاباً، يطرح هذا الاعتراض علامة استفهام كبيرة حول حدود التدخل الأميركي في الشأن السياسي العراقي، ومن يمنح نفسه حق القبول أو الرفض لخيارات يفترض أنها سيادية بحتة. اعتراض ترامب لا يبدو معزولاً عن سياقه الأوسع. فالرجل، الذي بنى خطابه السياسي على منطق الصفقات والضغط، يتعامل مع السياسة الخارجية بعقلية التدخل في رسم المشهد السياسي لدول أخرى تحت عناوين متعددة. ومن المفارقات التي لا يمكن تجاهلها، أن ترامب نفسه ينتمي إلى دولة كان لها الدور الأبرز في رسم واقع عراق اليوم. وكذلك كان للولايات المتحدة الأمريكية دورٌ مشبوه في عملية احتلال الكويت 1991. وفي فرض حصار اقتصادي قاسٍ على العراق لينتهي الحصار بحرب أخرى 2003 فرضها النظام الأمريكي نفسه. أما الحصار فدفع العراقيون ثمنه من معيشتهم وصحتهم ومستقبل اجيالهم. كما أن النظام السياسي لدولته، بشقيه الجمهوري والديمقراطي، كان شريكاً أساسياً في الحروب التي شُنّت على العراق، وما ترتب عليها من تدمير مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها حل الجيش العراقي بعد عام 2003، وهو القرار الذي فتح الأبواب أمام الفوضى، وأسهم بشكل مباشر في تسلل الجماعات الإرهابية، وتحول العراق إلى ساحة مفتوحة للعنف والتطرف. كل ما ورد، أحداث بات يعرفها الكثير منا، وقد يرى البعض أن سردها فائض عن الحاجة إلا أن المفارقة المفجعة أن الكثير من الجيل العراقي الواعد، لا يلتفت الى هذه الحقائق، بل ومنهم من يطلق عليه الزمن الجميل وهو لم يدرك يوما واحدا منه! وهذا ما يخلق منه قنبلة موقوتة قد تغير مسار العراق، بل ومجمل دول المنطقة.
في كل مرة يعتقد فيها العراقيون أن قرارهم السياسي بات شأناً داخلياً، يعود التدخل الخارجي ليطرح السؤال من جديد: هل يملك العراق حق اختيار قادته بحرية؟ أم أن القبول والرفض لا يزالان يُصاغان خارج حدوده؟ اعتراض الرئيس الأميركي دونالد ترامب على ترشيح نوري المالكي أعاد فتح ملف التدخل الأميركي في الشأن العراقي. اعتراضٌ لم يكن دبلوماسياً، ولا محايداً، بل جاء صريحاً، وكأن القرار العراقي لا يكتمل إلا بختم القبول الأميركي. بعيداً عن الموقف من المالكي نفسه، سواء بالاتفاق أو الاختلاف، فإن هذا الاقرار الصريح، وعلى الملأ، يعيد الى الاذهان الاملاءات التي كانت تردنا نحن العرب على لسان المندوب السامي لهذه الدولة او تلك، زمن المستعمرات العربية. فهل لا تزال الدول العربية كما كانت، مستعمرات بلا سيادة؟
ترامب، الذي يتحدث اليوم عن رفض هذا أو ذاك، هو نفسه جزء من منظومة سياسية شاركت في تدمير العراق. بلدٌ فرض حصاراً، وشنّ حروباً، ثم عاد ليقدّم نفسه وصياً على خيارات العراقيين وهو يعيش في ازمة سياسية وفضيحة اخلاقية قل نظيرها مع قرينه ابستن في استغلال القاصرات. فبأي منطق يُنتقد المرشحون، بينما لم يُحاسَب المتسببون بالفوضى؟ العراق ليس ساحة تصفية حسابات، ولا ورقة في لعبة نفوذ إقليمي أو دولي. السيادة لا تتجزأ، وإرادة العراقيين يجب أن تكون فوق أي اعتراض خارجي، وهذا لا يأتي من شيء لا يشغل حيزًا من الفراغ.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير