
الهوية علائقية بطبيعتها، لا تنشأ في الفراغ، بل تتحقق تبعًا لأنماط صلاتها بالواقع، ويعاد تشكيلها ضمن ما يطرأ على الهويات الموازية والمضادة لها. تتجسد الهوية في شبكة من العلاقات المتبادلة، وتعاد صياغتها دائمًا في إطار ما يجري على الهويات الأخرى. ليس للهوية معنى أبدي ساكن بذاته، بل تكتسب معناها من المجتمع والواقع الذي يعيشه، بكل ما يحفل به الواقع من معطيات قومية ودينية وثقافية وسياسية واقتصادية واجتماعية. كما تكتسب الهوية معناها من وجود هويات مقابلة لها، وتموضعها في سياق اجتماعي وتاريخي يتغير باستمرار. الهوية ليست كيانًا جامدًا، بل هي نسيج من الصلات المتشابكة، وصيرورة مستمرة يتحقق بها نمط وجودها وتتجلى وجوهها. الهوية الحية ديناميكية، تتفاعل وتنفتح، تستقي من غيرها وتسقي غيرها، تأخذ وتعطي، ويعاد بناؤها على الدوام بالاستيعاب والتمثل والتأويل. إنها تتشكل بفعل التفاعل الخلاق مع الآخر، وبتأثير التحولات في البيئة والثقافة والتاريخ. ليست الهوية حصنًا مغلقًا، بل أفقًا مفتوحًا يعيد تعريف ذاته تبعًا لما يطرأ عليه من صدمات وتحولات واستجابات. إدراك الهوية بوصفها صيرورة مفتوحة يتيح تجاوز التصورات المغلقة التي ترى فيها جوهرًا ثابتًا لا يتغير، ويفتح المجال لفهم أكثر إنسانية وقبولًا للمختلف، ويفسح للآخر مكانًا في نسيج الذات، ويجعل من التنوع والتعدد مصدر غنى لا تهديد. هذا الفهم التأويلي للهوية، بوصفها كينونة تنمو في التفاعل، لا جوهرًا منغلقًا على ذاته، يتيح تجاوز النزعات الإقصائية، ويفتح أفقًا لإنسانية تتسع للتعدد، وتنهل من تنوع صور الانتماء.
تتشكل الهوية الحية تبعًا لأنماط صلاتها وعلاقاتها بالهويات الأخرى الموازية والمضادة، إذ تتحقق في سياق تضادها، وتضامنها، وتسوياتها، وتعايشها مع غيرها. في سياق التضاد تعيد الهوية تعريف ذاتها، استجابة لنزوعها نحو التفرد والتميز، فتسعى إلى إبراز مزاياها وخصائصها الثقافية والرمزية والحضارية، وتعمل على تثبيت ما هو حاضر فيها، وإحياء ما تراكم في ذاكرتها مما غاب أو نُسي، وما يمكن أن يتجدد ويتطور. أما في سياق التضامن فتتحقق الهوية حين تنفتح على هويات ديناميكية حية، تراكمت فيها منجزات معرفية وعلمية وثقافية وحضارية، وأكسبتها قوة حضورها في العالم. هنا تبحث الهوية عن المشتركات الممكنة، وما يمكن أن تستوعبه وتتمثله وتدمجه في نسيجها، من غير أن تنصهر أو تفقد خصوصيتها.
في سياق التسويات تتجلى الهوية في قدرتها على معالجة التوترات والنزاعات مع الهويات الأخرى، عبر حلول واقعية تحفظ كرامة المختلف، وتصون إمكانات العيش المشترك، وتتيح لكل طرف أن يحتفظ بما يراه مقومًا لهويته من غير أن يلغي الآخر. وفي سياق التعايش السلمي تتحقق الهوية بقدرتها على بناء فضاء مشترك يتسع للجميع، فيغدو التنوع رافدًا يغني الحياة، ويتحول الاختلاف إلى مصدر إبداع، ويصير التنوع ضمانة لحيوية المجتمع. أما في سياق التسويات، فتتشكل الهوية بكيفية تتفادى فيها الصدام والمواجهة مع الهويات المنافسة، وتحاول أن تتجنب المواقف الاقصائية الحادة، والمعادلات غير الواقعية في حالات النزاع، وتمارس سياسة الاحتواء قدر المستطاع، من دون أن تنزلق إلى مواقف صفرية تخسر فيها كل شيء. وفي سياق التعايش السلمي، تتحقق الهوية بإعادة تعريف ذاتها بوضوح، واكتشاف حدودها وحدود غيرها من الهويات الموازية والمقابلة، بما يضمن عيشًا مشتركًا لا يلغي الفوارق، بل يديرها بعقلانية وواقعية وشراكة مسؤولة.
الهوية كائن حي في حالة صيرورة مستمرة، وكل صيرورة تحول متواصل، لا تولد أية هوية ناجزة مكتملة. الهوية تتخلق عبر الزمن، في سياق علاقاتها بالهويات الاخرى، وتجاربها وخبراتها، وقدرتها على التفاعل الايجابي مع غيرها.كل تجربة في تفاعل الهوية مع هوية مختلفة عرقيًا ودينيًا وعقائديًا وثقافيًا ولغويًا، تترك بصمتها في بناء هذه الهوية وإعادة إنتاجها لذاتها. وكما تنتج النجاحات والانتصارات آثارها في تكامل الهوية وإغنائها، تحدث الصدمات العظمى والانكسارات والهزائم آثارها الموجعة وجروحها العميقة، عبر استفزاز الهوية الحية الى إعادة النظر في رؤيتها للعالم، وثقافتها، ومفاهيمها الأساسية، ورؤيتها للعالم، فتسارع الى تفكيكها ونقدها وتمحيصها، والتحرر مما قادها الى هذه الصدمات والانكسارات والهزائم بشجاعة.
الهوية كائن اجتماعي لغوي ثقافي إثني ديني سياسي متحول، تعيش في عالم تتفاعل وتتصادم فيه هويات متعددة ومتنوعة. لا تستطيع أية هوية أن تعزل نفسها عما يجري حولها من تحولات، ولا أن تنجو من الإيقاع المتسارع الحاد للتغيير في كل شيء. لا يمكن أن يتغير العالم فيما تظل الهوية ساكنة، فمهما حاولت الهوية أن تسجن نفسها في محيط خاص بها فإنها تفشل، وفي هذا العصر الرقمي يغدو فشلها حتميًا. الهوية أمام خيارين: إما أن تواكب إيقاع الواقع، أو تنسحب منه وتنكمش في متحف الهويات الغابرة. إذا تعطلت ديناميكية تفاعل الهوية مع العالم، وعاندت الواقع، وأنكرت ما يجري من حولها، فإنها تنغلق على نفسها، وتنكمش وتتصلب، وتنسحب في النهاية من الحضور الفعال في العالم اليوم. ممانعة الهوية ومكوثها في أنفاق الماضي يفضي إلى انسدادها وتحجرها، ثم يفضي إلى خروجها من العصر. ذلك أن كل هوية تفشل في إعادة إنتاج ذاتها بما يواكب تحولات الواقع، وتعجز عن الإسهام في بنائه، يفرض عليها التاريخ أن تُنسى، إذ إن مَن يعجز عن صناعة التاريخ لا مكان له في ذاكرته.
بنية الهوية في عالمنا اليوم لم تعد بسيطة، بل غدت مركبة عميقة متنوعة الوجوه، تتألف من طبقات متداخلة، ومكونات متنوعة، تتزاحم عليها صور متبدلة، ولا تستقر على حال. لم تعد الهوية بنية ساكنة يمكن الإمساك بها بتعريف جامد أو مقولة مغلقة، بل هي نسيج معقد من العلاقات والتمثلات والخبرات، تتغير في هذا النسيج الأولويات، وتتبدل فيه مواقع العناصر المكونة لها، وتتوالى عليه صور لا تثبت على صورة واحدة. لذلك فإن الوعي بالهوية اليوم يتطلب تفكيرًا صبورًا، يتوغل في طبقاتها، ويحلل عناصرها، ويقرأ تحولاتها، ويضيء ما يتعاقب عليها من تمثلات جديدة.
تسارع تحول الهوية في زمن الثورة الرقمية، والهندسة الجينية، وتكنولوجيا النانو، والتطبيقات المدهشة للذكاء الاصطناعي، وقفزات العلوم والمعارف التي تعيد تعريف الإنسان ورسم خريطة العالم. في هذا السياق، تعددت وجوه الهوية وتنوعت أبعادها، وتكاثرت تمثلاتها، ولم تعد محصورة في دوائر الانتماء التقليدي، بل اتسعت لتشمل أنماطًا جديدة من الوعي، والعلاقات، والتجارب، والوسائط، تتشكل عبرها صورة الذات والعالم. في هذا الواقع الشديد التحول، تغدو الهوية كائنًا سيالًا، متغيرًا، يتعدد في عناصره، ويتنوع في مكوناته، تبعًا لتبدلات الواقع، وتسارعه، وتشعب مساراته.كل هوية تتشبث بالجمود، وترفض أن تستجيب لما يجري من حولها، تفقد تدريجيًا قابليتها للحياة. الهوية التي لا تتفاعل مع العصر تفقد صلتها بالحياة، وتتحول إلى بقايا كائن تاريخي محنط لا يتفاعل بما يجري حوله. لا خيار للهوية في عصر التحولات الكبرى إلا أن تغادر انغلاقها، وتنفتح على شروط العصر، كي لا يمحوها واقع يتغير فيه كل شيء. حتى لو بدت هذه الهوية مرتبكة ومضطربة، فإن قدرتها على التكيف تمنحها أفقًا للحضور والبقاء، لأن مَن لا يتكيف مع محيطه يموت، وتتيح لها هذه القدرة أن تعيد بناء ذاتها باستمرار في مواجهة المستجدات. الهوية المنفتحة تتفاعل مع الهويات المتنوعة بلا وجل، وبما أنها في حالة تشكل متواصلة، فهي في حالة تعلّم واستكشاف لا ينقطع. لا ترى هذه الهوية للمعرفة مديات نهائية، ولا تنظر إليها بوصفها معطًى قارًا ساكنًا، بل تعدها أفقًا مضيئًا لا نهائيًا، يستمد منه الإنسان طاقته على تطوير ذاته فردًا ومجتمعًا، ويغني به هويته، وتنضج من خلالها تجربته في الحياة. الهوية المنفتحة لا تدعي احتكار معرفة الحقيقة كما تفعل الهوية المغلقة، بل تؤمن بأن الحقيقة وطرائق الوصول إليها أوسع من أن تحتكرها هوية بعينها، أو عقل واحد مهما بلغ.
هذه الهوية مستعدة لمساءلة ذاتها، ونقد سردياتها، ونبش أرشيفها، واكتشاف ثغراتها، والنظر إلى تاريخها بوصفه خاضعًا لما تخضع له تواريخ المجتمعات كافة من صعود وهبوط، وانتصارات وهزائم، وتقدم وتراجع. لا ترى تاريخها استثناء فريدًا متفوقًا على الآخرين، بل تتعامل معه بوعي نقدي يميز بين محطات التفوق ومحطات الإخفاق، وتعترف بما فيه من مظالم واضطهادات وانحرافات، بدلًا من الإنكار أو التسويغ أو التقديس. الإنسان الذي يتربى في سياق هوية منفتحة تتشكل شخصيته على احترام المختلف، وتتطور قدرته على قبول التعددية الدينية والعقائدية والإثنية واللغوية والثقافية، ويستطيع العيش في فضاء التنوع والاختلاف بلا شعور الاصطفاء أو التفوق على غيره، مهما كان دينه أو معتقده أو إثنيته أو لغته أو ثقافته.