رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
حسن حسني استدعاء لمرحلة كاملة من تاريخ الدراما العراقية


المشاهدات 1244
تاريخ الإضافة 2026/02/01 - 9:27 PM
آخر تحديث 2026/02/04 - 2:36 AM

ليس الحديث عن الفنان العراقي حسن حسني استعادة لسيرة شخصية فحسب، بل هو استدعاء لمرحلة كاملة من تاريخ الدراما العراقية، بكل ما حملته من طموح فني، وصراعات مهنية، وانكسارات فرضتها الظروف السياسية والإنتاجية، ثم إصرار على الاستمرار رغم الغربة والبعد القسري عن الوطن. حسن حسني، الممثل والمخرج، هو واحد من الأسماء التي لا يمكن المرور عليها عابراً عند توثيق الذاكرة الدرامية العراقية منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم. فالرجل لم يكن فنان أدوار عابرة، بل مشروعاً إبداعياً متكاملاً، تنقّل بين التمثيل والإخراج، وترك بصمات واضحة في أعمال ما تزال حاضرة في وعيالمشاهد العراقي والعربي.
البدايات والتكوين الفني
ولد حسن حسني العبيدي في العراق، ونشأ في بيئة جعلت من الفن خياراً مبكراً في حياته. مع نهاية ستينيات القرن الماضي وبدايات السبعينيات، كان اسمه يبرز كممثل شاب يمتلك طاقة لافتة وحضوراً يثير الانتباه. لم يكن الفن بالنسبة له ترفاً أو نشاطاً جانبياً، بل التزاماً حقيقياً، حتى في أصعب الظروف، إذ عُرف عنه حضوره إلى الاستوديو أو المسرح مباشرة بعد أدائه واجبه العسكري، ليعود بعدها إلى المعسكر، في صورة تختصر علاقة جيل كامل بالفن بوصفه رسالة لا يمكن التخلي عنها. تلقى حسن حسني تكوينه المهني بشكل منهجي، فاجتاز دورة تنفيذ البرامج في معهد التدريب الإذاعي في العراق عام 1972، ثم خاض دورة إخراجية متقدمة في ألمانيا الديمقراطية عام 1976، ما أتاح له الاطلاع المبكر على تجارب إخراجية مختلفة وأساليب عمل حديثة، انعكست لاحقاً على رؤيته الفنية سواء في التمثيل أو الإخراج.
ممثل يترك أثراً لا يُمحى
برز حسن حسني كممثل في عدد من الأعمال الدرامية التي شكلت علامات فارقة في تاريخ التلفزيون العراقي. ويُعد دوره في مسلسل «نادية» بشخصية عادل واحداً من أكثر الأدوار التي رسخت اسمه في ذاكرة الجمهور، لما حمله من تعقيد نفسي وأداء متوازن جمع بين الحس الإنساني والعمق الدرامي. هذا الدور لم يكن مجرد نجاح عابر، بل محطة أساسية أكدت قدرة حسني على تجسيد الشخصيات المركبة التي تتطلب وعياً داخلياً وأدوات تمثيلية رفيعة.
وفي مسلسل «رجال الظل» قدّم واحداً من أكثر أدواره نضجاً، مجسداً شخصية مهندس يدرس في باريس وتتعرض حياته لمحاولة تجنيد من قبل المخابرات الإسرائيلية. في هذا العمل، لعب حسني على حافة التوتر الدرامي، متنقلاً بين القبول الظاهري والرفض الوطني العميق، في أداء عالي المستوى جعل من الشخصية نموذجاً درامياً معقداً، وقورن العمل حينها بتجربة «رأفت الهجان» المصرية من حيث البنية الدرامية والتشويق السياسي.
أما في «مواسم الحب»، فقدّم صورة مختلفة، مجسداً شخصية العاشق الولهان، مؤكداً قدرته على التنقل بين الأدوار السياسية والنفسية والرومانسية دون أن يفقد صدقيته أو حضوره.

من التمثيل إلى الإخراج
لم يكتف حسن حسني بالنجاح كممثل، بل اتجه إلى الإخراج التلفزيوني، حيث وجد مساحة أوسع للتعبير عن رؤيته الفنية. وقد حقق في هذا المجال نجاحاً لافتاً، حتى إن بعض أعماله الإخراجية فاقت من حيث التأثير والانتشار نجاحه كممثل.
يُعد مسلسل «ذئاب الليل» بجزئه الأول واحداً من أهم الأعمال التي أخرجها، وهو عمل ما يزال يُستعاد بوصفه نموذجاً للدراما البوليسية العراقية التي جمعت بين التشويق والبناء الدرامي المتماسك. كما قدم أعمالاً أخرى رسخت اسمه كمخرج يمتلك حساً تقنياً ورؤية إخراجية واضحة، مثل «الأماني الضالة»، «عنفوان الأشياء»، و«مواسم الحب» الذي جمع فيه بين التمثيل والإخراج، في تجربة تؤكد قدرته على إدارة العمل الفني من داخله وخارجه في آن واحد.
الأماني الضالة والمنعطف الحاسم
شكّل مسلسل «الأماني الضالة» نقطة تحول حاسمة في مسيرة حسن حسني. فبعد تعرض العمل لمقص الرقيب، وما رافق ذلك من إحباط مهني وإنساني، قرر مغادرة العراق متجهاً إلى الأردن، ثم لاحقاً إلى السعودية. هذا القرار لم يكن بحثاً عن رفاهية أو هروباً من التحديات، بل نتيجة مباشرة لصدام مؤلم بين الرؤية الفنية والقيود الرقابية التي خنقت الإبداع في تلك المرحلة.
في السعودية، استطاع حسني الاستقرار ومواصلة نشاطه الفني، مستفيداً من ظروفه العائلية، إذ كانت زوجته تحمل الجنسية السعودية وهي شقيقة المخرج السعودي عبد الخالق الغانم. ومع ذلك، لم ينقطع عن العمل في أكثر من ساحة عربية، فكان مخرجاً في الأردن، وممثلاً في سوريا، وحاضراً في أعمال عراقية كلما سنحت الفرصة.
الغربة والحنين إلى العراق
رغم إقامته الطويلة خارج العراق، التي قاربت العقدين في عمّان، ثم تنقلاته المختلفة، ظل الحنين إلى الوطن حاضراً بقوة في حديث حسن حسني. ففي لقائه مع الزوراء، عبّر بصدق عن اشتياقه العميق إلى العراق وشعبه، مؤكداً أن الغربة لم تنجح في انتزاع هويته أو قطع صلته بالبلد الذي شكّل وعيه الفني والإنساني.
وقد تجلى هذا الحنين بوضوح خلال تكريمه في ولاية مشيغان الأمريكية، حيث حل ضيفاً على جمعية المغتربين العراقيين المثقفين، والتقى نخبة من الفنانين العراقيين، من بينهم فلاح زكي، بهجت الجبوري، طه علوان، ود. ريكاردوس يوسف. كانت الأمسية، بحسب وصفه ووصف الحاضرين، لحظة استعادة جماعية للذاكرة العراقية، اختلطت فيها الدموع بالأغاني والقصائد، في مشهد يؤكد أن الفن العراقي يعيش في المنافي بقدر ما يعيش في الوطن.
رؤية نقدية للدراما العراقية
لم يتوقف حسن حسني عند حدود التجربة الشخصية، بل قدّم رؤية نقدية صريحة لواقع الدراما العراقية. فهو يرى أن غياب مدرسة إخراجية حديثة يمثل إحدى أكبر الإشكالات التي تواجه الفن العراقي، مشيراً إلى أن معظم التجارب ما تزال تعتمد على تراث السابقين دون تطوير حقيقي، في ظل ضغوط إنتاجية تسعى إلى إنجاز أعمال سريعة وبكلفة منخفضة على حساب الجودة. ويؤكد حسني أن نجاح الدراما العربية في بلدان أخرى لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة وجود جهات إنتاجية واعية تؤمن بصناعة الدراما بوصفها مشروعاً ثقافياً واقتصادياً في آن واحد. أما في العراق، فلا تزال المحاولات الجادة محدودة، وتواجه بعوائق تجعل الاستمرارية أمراً بالغ الصعوبة.
المخرج والعمل الجماعي
في رؤيته المهنية، يرفض حسن حسني فكرة المخرج المتفرد، مؤكداً أن العمل الدرامي فعل جماعي تشترك فيه عناصر عديدة، يأتي في مقدمتها النص الجيد. فالمخرج، برأيه، قائد للعمل، لكنه لا يستطيع تحقيق النجاح دون فريق مؤهل، بدءاً من الكاتب، مروراً بالممثلين، ووصولاً إلى العناصر الفنية والتقنية. ويشدد على أن المخرج الجيد هو من يختار نصاً قوياً، ويجيد اختيار ممثليه، ويخلق حالة من الانسجام داخل فريق العمل، لأن الصورة النهائية للعمل الفني هي حصيلة هذا التضافر، لا نتاج فرد واحد مهما بلغت موهبته.
القراءة والمعرفة
إلى جانب عمله الفني، يولي حسن حسني أهمية كبيرة للقراءة بوصفها رافداً أساسياً لتغذية الخيال والوعي. وقد تنوعت قراءاته بين الكتب الدينية والمذهبية والروايات العالمية والقصص القصيرة، وهو ما انعكس في محاولاته الكتابية، إذ أنجز روايتين قصيرتين، ويعمل على ثالثة، ضمن ما يسميه «الرواية السينمائية»، التي تقوم على بناء بصري وحكائي قريب من لغة الصورة.

تمثل مسيرة حسن حسني خلاصة تجربة فنية عراقية ثرية، امتدت لأكثر من أربعة عقود، وتوزعت بين التمثيل والإخراج، وبين الوطن والمنفى.  هي مسيرة فنان آمن بدوره، ودفع ثمن قناعاته، لكنه لم يتخلَّ يوماً عن حلمه بعراق يمتلك دراما حديثة، ومدرسة إخراجية قادرة على مواكبة العصر. وفي شهادته الصادقة، لا يتحدث حسن حسني عن ذاته فقط، بل عن جيل كامل من الفنانين العراقيين الذين صنعوا مجد الدراما في ظروف قاسية.
 وما زالوا يحلمون بعودة الفن إلى مكانته التي يستحقها، بوصفه ذاكرة وطن وصوت شعب.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير