
الفنان الرائد المسرحي الدكتور مرسل الزيدي يعد من الفنانين العراقيين الذين وضعوا الحجر الأساس للتجارب الحداثوية في المسرح العراقي، فقد نقل خبرته العلمية والفنية التي درسها في الخارج تحت طوع مخيلته الاخراجية الخصبة والمتفردة، ففي السادسة عشرة من عمره عمل مع والده الذي نصحه بالذهاب الى كلية الحقوق، فقبل فيها، لكنه تركها وحمل اوراقه الى معهد الفنون الجميلة، وتخرج منه عام 1959 الأول على دفعته، وعين مدرساً في ثانوية الكاظمية للبنين، ثم مدرساً في ثانوية الحريري للبنات...
وعبد المرسل فالح عبد العزيز الزيدي رجل أبدع في المسرح والاذاعة والتلفزيون والسينما ، والده كان مخرجاً مسرحياً وسينمائياً وله اربعة افلام تعد من البدايات في السينما العراقية، ولد في بغداد وأكمل دراسته الابتدائية والثانوية فيها. فيما كانت أولى الأعمال التي شارك فيها مسرحية بعنوان (جسر العدو) من تأليف سعدون العبيدي وإخراج عبد الخالق السام.
اخرج ومثل العديد من الاعمال المسرحية التي حازت على جوائز في المهرجانات المسرحية، ونالت رضا النقاد المسرحيين العراقيين والعرب ، للزيدي رؤيته الخاصة في استخدام مفرداته الوظيفية في فن الاخراج، خالقا ومبتكرا فذا في تصميم المشهد المسرحي، ولقد تخرج من تحت عباءته العلمية والتنظيرية الرائدة العديد من الطلبة الذين نحتوا لهم اسما في دائرة الضوء الفني الساطع، وبعد حصوله على شهادة البكالوريوس من اكاديمية الفنون الجميلة عام 1965 انتقل للعمل في التلفزيون في مجال اعداد واخراج البرامج والمسلسلات الدرامية حيث اعد اكثر من 30 تمثيلية تلفزيونية، فأعد واخرج خلال مسيرته الفنية العشرات من البرامج والمسلسلات الاذاعية والتلفزيونية منها المسلسل الاذاعي ( المعتمد بن عباد الشبلي)، برنامج ( تصبحون على خير ) الذي كان يقدمه الفنان سامي السراج والمذيعة قمر المختار ، ( الستائر الزرق ) وهي تمثيلية درامية تلفزيونية من تمثيل سامي السراج ، عمانؤيل رسام ، طارق الحمداني ، فوزية عارف.
في اواخر الستينيات بدأ بالتدريس في اكاديمية الفنون الجميلة وأسس قسم السمعية والمرئية ترأس لسنوات قسم المسرح في اكاديمية الفنون الجميلة ، ثم شغل منصب عميد اكاديمية الفنون الجميلة حتى بداية التسعينيات ، بعدها عاد للتدريس حتى رحيله.. اهم أعماله المسرحية هي (أميرة الاندلس / هاملت / اللحن التائه) اخرج مسرحيـة (ماكبث) على المسرح التجريبي لكلية الفنون الجميلة ، اعتمد فيها على ترجمة خليل مطران والتصميم للمصمم (عباس علي جعفر) من أجل تسليط الضوء على أحد المبدعين العراقيين من جهة وعلى تجاربه الإبداعية المميزة وتفعيل ديمومة العطاء ونتائج استمرارية الفعل الإبداعي النقدي الذي يعلي من شأن التجربة ويبين مفردات التطور والنمو ومن أجل المساهمة النظرية التحليلية في قراءة ملامح المدارس الإبداعية المسرحية ، ووضعها في مكانها ومكانتها الفكرية والجمالية المناسبة جاءت هذه القراءة للتركيز على الدور المهم من أجل التفاعل العلمي والفني الجمالي للدكتور الزيدي بالخصوص.. فقد عرف عن شخصيته أنه كاتب وناقد ومخرج عنيد في تمرده وروحه المسرحية.. المجدد المسرحي الأكاديمي الدكتور المرحوم عبد المرسل الزيدي ، إنه صاحب للروح، ونوافذ أخرى ورثاء الفجر والجراحات لا تعرف الحزن في أداء خطابه المسرحي البصري ودوره في تعزيز دراسته أكاديميا بالفعل، فكان إلحاق أكاديمية الفنون الجميلة بجامعة بغداد في عام 1967 تحولاً جذرياً في مسيرة التعليم المسرحي في العراق، حيث تحولت من مؤسسة تابعة لوزارة التربية إلى كلية أكاديمية متخصصة.
ويعد هذا التحول الأكاديمي بعد تأسيس الأكاديمية في العام الدراسي 1958-1959، نالت وضعية «كلية» رسمياً عند انضمامها لجامعة بغداد عام 1967. ثم تفرع قسم السمعية والبصرية الذي انبثق عن قسم المسرح تخصص السينما في عام 1973، والذي تطور لاحقاً ليصبح قسم الفنون السمعية والمرئية المستقل. كما ان استحداث تخصصات تربوية: في نفس العام (1973)، استُحدث تخصص لإعداد المدرسين داخل قسم المسرح، وهو ما وضع الحجر الأساس لتأسيس قسم التربية الفنية لاحقاً بالتعاون مع قسم الفنون التشكيلية. وبخصوص التخصصات فقد ضم قسم الفنون المسرحية تخصصات دقيقة تشمل التمثيل، الإخراج، التصميم المسرحي، والتقنيات، بالإضافة إلى الدراسات النظرية والنقدية.
بالطبع، هذه الشخصيات لم تكن مجرد أساتذة، بل هم بناة «المسرح الأكاديمي» الذين نقلوا التجربة من الهواية إلى التخصص العلمي الدقيق، ومن أبرز الرواد والمؤسسين حقي الشبلي (الأب الروحي): يعتبر مؤسس الحركة المسرحية الأكاديمية في العراق. بعد دراسته في باريس، عاد ليؤسس قسم التمثيل في معهد الفنون الجميلة، وكان له الفضل في تحويل المعهد الموسيقي إلى معهد شامل للفنون. إبراهيم جلال (رائد المسرح الواقعي): تولى رئاسة قسم التمثيل عام 1950. جلب معه الخبرة العالمية بعد دراسته في إيطاليا والولايات المتحدة، ويُعرف بدمجه لنظرية «برشت» الملحمية بالروح العراقية. جاسم العبودي: من الرعيل الأول الذين ساهموا في وضع المناهج الأكاديمية الصارمة، واشتهر بدقته في تدريس فن الإخراج والتمثيل. أسعد عبد الرزاق: لُقّب بـ «شيخ الفنانين»، شغل منصب عميد معهد وكلية الفنون الجميلة لسنوات طويلة، وكان حلقة الوصل الإدارية والفنية المهمة خلال فترة السبعينات. جعفر السعدي: أحد أبرز الأكاديميين والمربين الذين تخرج على أيديهم أجيال من الفنانين، وشارك في تأسيس العديد من الفرق المسرحية المهمة.
أما جيل السبعينات وما بعدها مع تطور الكلية، فبرزت أسماء قادت الأقسام بلمسات حداثية مثل فاضل خليل الذي تخرج عام 1970 وأصبح لاحقاً من أعمدة التدريس، وشفيق المهدي الذي عُرف بفلسفته المسرحية الخاصة.
وبذلك يعد الدكتور عبد المرسل الزيدي (1940–2015) أحد الأعمدة الأكاديمية والفنية التي تركت أثراً عميقاً في مسيرة كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، حيث ارتبط اسمه بالعديد من المحطات التأسيسية والقيادية المهمة، فقد شغل منصب عميد كلية الفنون الجميلة لسنوات، وتحديداً في الفترة ما بين 1988 و1993، وهي فترة شهدت استمرارية في تطوير المناهج رغم التحديات.
وترأس قسم الفنون المسرحية لفترات طويلة، مساهماً في تخريج أجيال من الفنانين والأكاديميين.كما يُنسب إليه الفضل كمؤسس وأول رئيس لقسم الفنون السمعية والمرئية (السينما والتلفزيون) عند استحداثه عام 1982، ليفصل بذلك بين المسرح والسينما أكاديمياً. كما كُرم في مهرجان ليالي المسرح الحر الدولي في عمان عام 2011 تقديرا لجهوده ودوره في خدمة الحركة الفنية، وإعطاء المسرح قيمة خاصة سواء على مستوى التمثيل، أم الإخراج أم الكتابة المسرحية.
الدكتور عبد المرسل الزيدي كان أستاذاً متخصصاً في نظريات الدراما، وله محاضرات ومؤلفات تُعد مراجع أساسية لطلبة الدراسات العليا والأولية، مثل كتابه «محاضرات في نظريات الدراما».وأشرف على عشرات الرسائل والأطاريح العلمية في تخصصات الإخراج، النقد، والتقنيات المسرحية، مما ساعد في تأصيل البحث العلمي الفني في العراق.. لم يكتفِ بالجانب النظري، بل كان مخرجاً ومؤلفاً ممارساً في الإذاعة والتلفزيون والمسرح، وهو ما سمح له بنقل الخبرة الميدانية إلى قاعات الدراسة، خاصة وأنه بدأ حياته المهنية مخرجاً في إذاعة وتلفزيون بغداد منذ الستينيات.
فيما كان منهج الزيدي في تحليل النص المسرحي يبدأ من التشريح الأرسطي فكان يركز بصرامة على الوحدات الثلاث (الزمان، المكان، الموضوع) في النصوص الكلاسيكية، ويُعلم طلبته كيفية استخراج «العقدة» وتتبع مسار «التطهير» النفسي. وكان يرى أن النص الذي يخلو من صراع محتدم (داخلي أو خارجي) هو نص ميت؛ لذا كان يدرب الطلبة على تحديد القوى المتصارعة قبل البدء بأي عملية إخراجية. مشددا على أن المسرح «فعل» (Action) وليس «كلاماً»، فكان يحلل الحوار بناءً على ما ينجزه الشخص على الخشبة، وليس فقط ما يقوله. بحكم خبرته في السينما والتلفزيون، كان يحلل النص المسرحي بقدرة عالية على تخيل اللقطات وزوايا النظر، مما جعل تحليله «بصرياً» بقدر ما هو «أدبي». لم يكن يقبل بالتحليل السطحي، بل كان يبحث دائماً عن «الرسالة المتخفية» خلف النص وكيفية إسقاطها على الواقع العراقي المعاصر، هذا المنهج الصارم هو ما جعل خريجي «مدرسة الزيدي» يتميزون بالدقة الأكاديمية العالية.
بالتأكيد، تُعد مؤلفات الدكتور عبد المرسل الزيدي مراجع كلاسيكية لا غنى عنها لطلبة المسرح والسينما في العراق، حيث ركزت على الجوانب الهيكلية والفلسفية للفن:
أبرزها : كتاب «محاضرات في نظريات الدراما»: يُعد المرجع الأول لطلبة المرحلة الثالثة والرابعة، ويتناول فيه تطور البناء الدرامي من أرسطو وصولاً إلى المدارس الحديثة. كتاب «التمثيل الإذاعي»: نظراً لخبرته الطويلة في الإذاعة، وضع هذا المؤلف لتدريس تقنيات الأداء الصوتي الدرامي. كتاب «التلفزيون والسينما»: تناول فيه الأسس الجمالية والتقنية للفنون السمعية والبصرية.
كما انجز كتابة الكتب التالية : فن الكتابة للإذاعة والتلفزيون ، تاريخ المسرح العالمي والعربي والعراقي ، أسماء وذكريات لفنانين عراقيين، اضافةً الى عمله بالإذاعة والتلفزيون فهو رسام، إذ أقام سبعة معارض شخصية داخل وخارج العراق كما شارك بمعارض تشكيلية جماعية عديدة ويهتم بالشعر والموسيقى.
اما المواد الدراسية التي كان يشرف عليها فهي : نظريات الدراما: وهي المادة الأساسية التي ارتبط بها اسمه لعقود، حيث كان يفكك فيها نصوص «سوفوكليس» و»شكسبير» و»إبسن».تاريخ المسرح العالمي: تدريس سياقات نشأة المسرح وتطوره عبر العصور. الإخراج الإذاعي والتلفزيوني: مادة تخصصية لطلبة قسم السمعية والمرئية.كذلك مناهج البحث العلمي بعد ان أشرف من خلالها على تأطير الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه) لضمان الرصانة الأكاديمية.
لذلك تنطوي التجربة الإبداعية المميزة الموسومة للفنان عيد المرسل الزيدي على جملة مقومات ذات خصوصية وتفنن وأصالة، سواء على مستوى المرجعيات الثقافية واللغوية أم على مستوى البناء الدرامي الجمالي على وجه الخصوص والبناء الفتي من تشكيل وتمثيل ونقد وتأليف على وجه العموم، وهذه المقومات النوعية هي التي جعلت منها تجربة إشكالية بحاجة إلى المام، ونظر، ورصد وتحليل. يكشف عن ابداعها ورؤيتها وفعلها الدرامي ودرجتها في سلم الإبداع الفضي.
إن الخصوصية الابداعية التي تتمتع بها هذه التجربة الخصبة من شأنها أن تحرض أية قراءة بحثية جادة، على مزيد من التأمل والحرص والغوص في باطنية مجالات التجربة ، ليكون بإمكان أدواتها أن ترصد شبكة التحولات البنائية والأسلوبية والسيمائية والتشكيلية التي تتمتع بها تجربة الفن عند عبد المرسل الزيدي .
أرضية إبداعية مشحونة بالعطاء والإثارة على التأمل والكتابة ، وهو ظهير حيوي وابداعي ولها بعد جمالي جدلي عالي القيمة، وعنصر تكوين جوهري ومركزي في معظم الأجناس الأدبية والفنون الدرامية .
وقد تمظهر كل ذلك في اعمال وأسلوب عبد المرسل الزيدي بوصفه مبدعا وفضاء وذاكرة تتجدد فيها قيم التدريس والمنهاج وأسلوب الحياة المسرحية بالعراق ، ضمن توافر كل أسباب العطاء بزخم عاطفي ووجداني، بل ونضالي يرتفع فيه المعنى الابداعي إلى معنى الحياة ذاتها، فلا حياة بلا ابداع تكثف فيه رموز التاريخ والجغرافيا والوطن والمستقل والإنسان، وتصبح ظهيرا حيا لكل هذه الرموز والمعاني . كان مراسيم الاحتفاء التكريمي الذي أقامته مؤسسة عيون للثقافة والفنون ببغداد والذي ابتدأ بالموكب البهيج من ساحة التحرير حتى بناية المسرح الوطني، حيث تهادى الفنان الدكتور عبد المرسل الزيدي على البساط الاحمر في مدخل تلك البناية ولكي تقام على شرفه الدورة التي سميت باسمه للاحتفاء بالمبدعين من الاعلاميين والفنانين ... لكن فجع الوسط المسرحي برحيله مغادرا الحياة رحمه الله صباح اليوم التالي.
استعرض الزيدي في هذا الكرنفال مسيرته المسرحية منذ نشأته، ومروراً بسلسلة التجارب والتغيرات في الشكل والمضمون والتي مرت بالمسرح عالمياً ، وانعكاس ذلك على مسيرة المسرح العراقي وعلاقته بالجمهور، مؤثراً ومتأثراً وانتهى الى خلاصة مفادها ان مقياس المشاهد المسرحي بدأ ينحدر، بعد عدٍ تنازلي ، ليصبح نخبة قليلة لا تمثل من المجتمع إلا جزءاً صغيراً، وربما نادراً، وعليه فلنا ان نطالب المسؤولين لوضع أسس ، تستنفر المشاهد ، باعتباره الاساس الذي تقدم عليه حركة النهوض الفني في المسرح، وذلك عبر التوصيات الآتية:- ـ ادخال مادة المسرح والفنون مادة دراسية علمية منذ السنوات الاولى حتى التعليم العالي. ادخال المسرح في مجمل العملية التخطيطية للدولة شأنه شأن ابواب خطط التنمية ، رفع غطاء القسر والرقابة عن المسرح ومنحه حرية التعبير. فتح المسارح للجماهير بعيداً عن حسابات الربح والخسارة، والاكثار من إنشاء المسارح، والعمل على تأسيس البيوت الثقافية وتنميتها . التشديد، او توقف وسائل الاعلام عن تقديم المسرحيات التي تعتمد الإقلال من شأن الفرد، وجعله مادة للإضحاك السفيه، وتقديم الاعمال الرصينة، وكسر ما يسمى بالحدود، وحرية التنقل للفرق والفنانين في عموم الوطن لنشر رسالة المسرح وارتباط الجماهير بهم.
إن توصيات الفنان مرسل الزيدي الفنية والعلمية تستدعي ذاكرة الإنصات الى الولوج الى صلب افكاره النيرة والعميقة والتي ساهمت في انتعاش الحركة المسرحية في العراق .
لقد قدم الدكتور الراحل عب المرسل الزيدي جيلا من التدريسين والمخرجين والممثلين، فبصمة الأستاذ الحقيقية تظهر في وجوه من علمهم، فخرّج أجيالاً أصبحت هي اليوم واجهة الفن والأكاديمية في العراق، فقد تتلمذ على يديه العشرات من أساتذة كلية الفنون الجميلة الحاليين، ومنهم من تسلم مناصب إدارية وعلمية رفيعة، حيث نقلوا منهجه في تدريس «نظريات الدراما» و»الجماليات». أما المخرجون والكتّاب الذين تأثروا به، خاصة أولئك الذين درسوا في قسم السمعية والمرئية الذي أسسه، حيث تعلموا منه كيفية تحويل النص الأدبي إلى رؤية بصرية محكمة.
وهنا لابد ان نقف عند الفنانين النجوم فهي أسماء لامعة في الدراما العراقية مثل جواد الشكرجي، محمود أبو العباس، ليلى محمد علي وغيرهم، مرورا عبر قاعات المحاضرات التي كان يُنظّر فيها، واستفادوا من صرامته العلمية في فهم أبعاد الشخصية الدرامية. كما كان يُعرف عنه أنه لا يمنح «الدرجة» بسهولة، بل كان يدفع الطالب للبحث والقراءة والتحليل المعمق، فالجانب العملي في حياة الدكتور عبد المرسل الزيدي هو ما منح نظرياته الأكاديمية «روحاً» واقعية، إذ لم يكن أكاديمياً حبيس القاعات الدراسية فحسب.. بصمته في تدريس الإذاعة والتلفزيون فقد كانت بداياته مبكرة حيث انخرط في العمل الإذاعي والتلفزيوني منذ الستينيات، حيث عمل مخرجاً في إذاعة وتلفزيون بغداد، وهو ما صقل مهاراته قبل التفرغ التام للتدريس الأكاديمي. أما الإخراج الإذاعي فقد عُرف بكونه أحد أساتذة الدراما الإذاعية؛ فكان يمتلك قدرة فائقة على توظيف «الصوت» والمؤثرات لخلق صورة ذهنية لدى المستمع، وقد وثق هذه الخبرة في كتابه الشهير (التمثيل الإذاعي). وفي جانب التأليف والسيناريو: فلم يكتفِ بالإخراج، بل كتب العديد من التمثيليات والمسلسلات التي تميزت بحبكة درامية متماسكة، مطبقاً «قواعد أرسطو» التي كان يدرسها لطلابه على نصوصه الخاصة.
أما الريادة في التوثيق وبفضل خبرته الميدانية، فقد كان من أوائل الذين وضعوا مناهج تجمع بين التقنية (كيف تعمل الكاميرا والميكروفون) وبين الفن (كيف يشعر الممثل)، وهو ما جعل تأسيسه لقسم السمعية والمرئية عام 1982 قفزة نوعية في التعليم الفني بالعراق.
وفي مجال الرسم فكان الراحل موهوبا ومعلما في تمكين أدواته والتعبير عنها في الانشاء واللون ، وفي بداية عام 2015 ، أُقيم للزيدي معرض في العاصمة الأردنية، بعنوان ( تحت أفياء التراث ) ضم أكثر من 30 لوحة من الحجم الكبير أهداه للتشكيلي الراحل رافع الناصري.. استلهم أعماله من التراث العراقي، مُركّزاً على القباب والنوافذ، التي كان يجد فيها معماراً مؤثّراً يعبّر عن السموّ ، مستعيذا أجواء الحي الذي كان يسكنه (شارع حيفا في بغداد).
رحل عبد المرسل الزيدي عام 2015 تاركاً إرثاً يجمع بين «صرامة الأكاديمي» و «إبداع الممارس»، وظل حتى يومه الأخير وفياً للمسرح الوطني الذي كُرّم فيه قبل وفاته بـ 24 ساعة فقط.