
في زمن باتت فيه الشاشات الصغيرة نافذة العالم الكبير يجد العراقي نفسه غارقاً في فيض من المعلومات المتضاربة بين لحظة وأخرى تتغير التحالفات وتنقلب الحقائق وتتبدل المواقف في فضاء رقمي يعج بالأصوات الوهمية لم تعد صفحات التواصل الاجتماعي مجرد منصات للترفيه بل تحولت إلى ساحات حرب تستخدم الأخبار الكاذبة سلاحاً فتاكاً يستهدف العقول قبل القلوب تعمل الصفحات الوهمية مجهولة الهوية في فراغ تشريعي وتقني لا تنتشر معلومات مغلوطة فحسب بل تصمم محتوى يستهدف نقاط الضعف النفسية والاجتماعية للمتلقي تخلق واقعاً بديلاً يعتمد على العواطف لا الحقائق وتستغل حالة الاستقطاب المجتمعي فتغذي نيران الخلاف وتعمق هوة عدم الثقة تكمن خطورتها في قدرتها على التخفي والتنقل بين الحدود دون عوائق والتحول من صفحة إلى أخرى بمجرد اكتشافها يعيش المواطن حالة دائمة من القلق وانعدام اليقين حيث تتحول العوالم الافتراضية إلى مصدر للشك والذعر فتفقده القدرة على التمييز بين الحقيقي والمفتعل تسمم الظاهرة العلاقات الأسرية والاجتماعية وتحول النقاشات إلى معارك حول صحة أخبار متداولة ولا تقف التأثيرات عند الفرد بل تمتد لتشكل خطراً على كيان الدولة فالأخبار الكاذبة قادرة على زعزعة الاستقرار الاقتصادي بنشر شائعات عن أزمات مالية وهمية كما أصبح الفضاء الرقمي ساحة لعرقلة القرارات الحكومية عبر تحشيد الرأي العام ضدها فقرارات استراتيجية تتراجع وخطط تنموية تتوقف بسبب ضغوط رقمية مصطنعة يواجه العراق هذا التحدي بأدوات تقليدية في معركة غير تقليدية القوانين الحالية لا تلاحق السرعة الرقمية والجهات الرقابية تعمل بآليات بيروقراطية لا تواكب العصر الرقمي حتى شركات التواصل العالمية تتعامل مع المنطقة بلغة الأرقام لا بلغة السياق الاجتماعي والثقافي الأمر يحتاج إلى فهم أن الظاهرة ليست مجرد أخبار كاذبة بل نظام متكامل له اقتصاد خاص ودوافع سياسية واستراتيجيات نفسية مدروسة المواجهة الفعالة تتطلب خطة متعددة المسارات تشريعياً عبر قانون خاص للفضاء الرقمي ومحاكم متخصصة وتقنياً بإنشاء مركز وطني للتحقق من المعلومات يكون مرجعية موثوقة وإعلامياً وتربوياً بدعم الوسائل المهنية وإطلاق حملات توعية وإدخال التربية الإعلامية للمناهج لبناء جيل قادر على التعامل النقدي مع المحتوى الرقمي المعركة ضد الصفحات الوهمية هي دفاع عن حق المواطن في الحقيقة وحق الدولة في الاستقرار وحق المجتمع في التماسك العراق أمام مفترق طرق رقمي إما أن يبقى ساحة مفتوحة للحروب النفسية أو يتحول إلى فضاء للحوار البناء والتطور الحقيقي القرار يبدأ بالاعتراف بأن العدو الحقيقي ليس في الأخبار الكاذبة نفسها بل في الاستعداد لقبولها دون تمحيص حماية العقل العراقي من التلاعب الرقمي واجب وطني لأن الأوطان تُبنى بالعقول الواعية والقلوب المطمئنة والحقيقة الواضحة.