
في العراق، لم يعد الخوف شعورًا عابرًا يرتبط بحدثٍ أمني أو أزمةٍ سياسية، بل تحوّل إلى حالةٍ عامة، وإلى مزاجٍ يومي يحكم تفكير الناس، ويعيد ترتيب أولوياتهم، ويصوغ علاقتهم بالمستقبل.
الخوف من التغيير، وهو أكثر المخاوف حضورًا، لا ينبع من رفضٍ فطري للتجديد، بل من ذاكرةٍ جماعية مثقلة بالتجارب القاسية. فكل تحوّلٍ كبير شهده العراقي خلال العقود الماضية جاء مصحوبًا بالعنف أو الفوضى أو الانهيار. لذلك بات التغيير في الوعي العام مرادفًا للخسارة، لا بوابةً للفرص. أمنيًا، عاش العراقي طويلًا على حافة الاحتمال الأسوأ. الاستقرار هشّ، والهدوء مؤقت، والسلاح أكثر حضورًا من القانون في كثير من اللحظات. هذا الواقع ولّد خوفًا استباقيًا؛ قلقًا يسبق الحدث، ويجعل الناس تتهيأ للأزمات قبل وقوعها، وكأن المستقبل ليس زمنًا قادمًا، بل امتحانًا أمنيًا مفتوحًا.
اقتصاديًا، رسّخت الدولة الريعية هذا الخوف بدل أن تعالجه. المواطن يخاف الصيف بسبب الكهرباء، ويخاف الشتاء بسبب الوقود، ويخاف انخفاض أسعار النفط على الرواتب، كما يخاف ارتفاعها بسبب الصراعات السياسية. هكذا تحوّل الاقتصاد إلى عامل قلق دائم، لا إلى مصدر اطمئنان، وباتت المعيشة اليومية مرهونة بتقلّبات سوقٍ لا يملك المواطن أي تأثير فيه. سياسيًا، يتبدّل الخطاب وتبقى البنية على حالها. تغيّرت الأسماء والاصطفافات، لكن أدوات الحكم بقيت ذاتها: محاصصة، تسويات هشة، وإدارة أزمات بدل حلّها. ومع كل دورة سياسية جديدة، تتعمق فجوة عدم الثقة، ويترسخ شعور المواطن بأن مستقبله يُدار دون أن يكون شريكًا في صنعه. أما نفسيًا، فقد تسلّل الخوف إلى تفاصيل الحياة اليومية. صار حديث المائدة، وهاجس العائلة، ومقدّمة أي نقاش عن الغد. الأب يحسب الراتب قبل أن يحسب الطموح، والأم تخزّن قبل أن تطمئن، والشباب يفكّرون بالهجرة قبل التفكير بالمشاريع. الخوف هنا لم يعد ردّة فعل، بل أسلوب تفكير وسلوك.
المشكلة الأخطر أن الخوف حين يستقر طويلًا، يتحوّل إلى قبولٍ بالواقع مهما كان سيئًا. فالمألوف الرديء يصبح أهون من المجهول، والركود يبدو أكثر أمانًا من المغامرة، حتى وإن كانت ضرورية.
الخوف العراقي إذن ليس ضعفًا في الشخصية، بل نتيجة تاريخٍ طويل من الصدمات. غير أن معالجته لا تكون بالشعارات، بل بإعادة تعريف الأمن بوصفه شعورًا مستدامًا، والاقتصاد بوصفه ضمانًا لا منّة، والسياسة بوصفها عقد ثقة لا صفقة مؤقتة. من دون ذلك، سيبقى الخوف سيّد المشهد، وصاحب الكلمة الأعلى في حياة العراقيين.