
حين يُستعاد تاريخ المسرح العراقي الحديث، لا يمكن المرور على منجزه من دون التوقف طويلاً عند اسم الدكتورة عواطف نعيم؛ بوصفه علامة تجمع بين التمثيل والكتابة والإخراج والبحث الأكاديمي والعمل المؤسسي، وبين التجربة الجمالية والموقف الثقافي الصارم من قضايا الفنان وكرامته ودوره في المجتمع.. إنها واحدة من الشخصيات القليلة التي لم تكتفِ بالنجاح الفني، بل سعت إلى بناء مشروع متكامل يتقاطع فيه الإبداع مع التعليم والنقد وإدارة العمل الثقافي، ويتحوّل فيه المسرح من خشبة عرض إلى فضاء تفكير ومساءلة وذاكرة وطنية. هذا التحليل الصحفي يحاول قراءة مسيرتها الطويلة لا بوصفها سرداً زمنياً للأحداث فحسب، بل باعتبارها تجربة عراقية كثيفة، تشكّلت في قلب بغداد القديمة، وواجهت تحولات السياسة والحرب والمؤسسة، وراكمت حضوراً عربياً ودولياً نادراً لفنانة عراقية.
منذ بداياتها في محلة باب الشيخ وفضوة عرب، المنطقة التي اشتهرت بكونها خزّاناً للأصوات الجميلة والمقامات والقراءات القرآنية والغناء البغدادي، كانت عواطف نعيم ابنة بيئة ترى في الصوت واللغة والتمثيل امتداداً طبيعياً للحياة اليومية. في تلك الأزقة الشعبية تفتحت أولى ميولها نحو التقليد والمحاكاة والأداء، مدفوعة بتشجيع عائلي مبكر على تقليد الأصوات وحركات الأقارب، الأمر الذي أسهم في بناء ثقة داخلية بالوقوف أمام الآخرين، وفي تشكيل حس أدائي مبكر لا يخلو من الجرأة والرغبة في الظهور.
في المدرسة، أخذ هذا الميل يتبلور على نحو أوضح، عبر مشاركات منتظمة في تقديم الأناشيد والفعاليات الفنية الأسبوعية، ثم في مرحلة المتوسطة حين برز اهتمامها بالخطابة وكتابة النصوص بنفسها، وولعها بالمكتبة والقراءة المبكرة للرواية العالمية، ولا سيما الأدب الروسي وأعمال أنطون تشيخوف، التي تركت أثراً واضحاً في حساسيتها الدرامية اللاحقة، سواء في بناء الشخصيات أو في الميل إلى التقاط التفاصيل الإنسانية الصغيرة بوصفها مدخلاً لفهم المأساة الكبرى.. في الإعدادية، لم تعد الموهبة مجرد نشاط مدرسي، بل تحولت إلى مبادرة قيادية حين أسست أول فرقة فنية مع زميلاتها، وقدمت مسرحيات من تأليفها وإخراجها وتمثيلها، مستفيدة من دعم إحدى مدرسات اللغة العربية اللواتي رأين في هذه التجربة شكلاً من أشكال التربية الثقافية لا يقل أهمية عن المناهج الدراسية. تلك المرحلة أسست لشخصيتها كقائدة فريق عمل، قادرة على التنظيم واتخاذ القرار وتحمل مسؤولية العرض من فكرته حتى لحظة تقديمه.
المنعطف الحاسم جاء مبكراً أيضاً، حين دخلت الإذاعة العراقية عام 1972 وهي لا تزال طالبة في الإعدادية، في وقت كانت فيه الإذاعة بحاجة إلى أصوات نسائية شابة. لم تكتفِ بدور المذيعة، بل التحقت بقسم الدراما الإذاعية، لتعمل مع أسماء كبيرة مثل شكري العقيدي وطعمة التميمي وكريم عواد وفاروق فياض. هناك تعلّمت أسرار الأداء الصوتي، وضبط الإيقاع، وبناء الشخصية عبر الصوت وحده، وهي مهارات سترافقها لاحقاً في المسرح والتلفزيون والكتابة.
ولم يلبث أن التقط يوسف العاني موهبتها، فسحبها إلى فرقة المسرح الفني الحديث وإلى مصلحة السينما والمسرح، وقدّمها إلى المخرج إبراهيم جلال الذي أسند إليها دوراً مهماً في مسرحية «بونتلا وتابعه مانتي» المعروفة عراقياً بعنوان «البيك والسائق». هذا الدور فتح لها أبواب النقد الصحفي، ورسّخ حضورها كممثلة شابة واعدة، لتبدأ مرحلة جديدة تجمع فيها بين العمل الإذاعي والمسرحي والبرامجي وأعمال الطفل، قبل أن تتجه تدريجياً إلى كتابة الدراما بوصفها امتداداً طبيعياً لحسها السردي المبكر.
هذا التنوع المهني لم يكن ترفاً، بل شكّل مدرسة متكاملة في اللغة والصوت والحركة والموسيقى وتقنيات العمل الإذاعي، وأكسبها قدرة نادرة على فهم العرض المسرحي بوصفه منظومة متكاملة، لا مجرد أداء تمثيلي معزول. وقد أسهم عملها في الإذاعة أيضاً في تعميق علاقتها بالفنان عزيز خيون، الذي كان آنذاك طالباً في كلية الفنون الجميلة، قبل أن يتزوجا لاحقاً، في علاقة شخصية ومهنية تركت آثارها في عدد من المشاريع المشتركة، وفي تأسيس محترف بغداد المسرحي لاحقاً.
على المستوى الأكاديمي، جاءت دراستها في كلية الفنون الجميلة ضمن نظام قبول الموظفين المتميزين، متجاوزة شرط العمر والمعدل، بفضل خبرتها العملية الواسعة في الإذاعة والمسرح والكتابة. هناك درست الإخراج المسرحي على أيدي أسماء بارزة مثل عوني كرومي وفلاح القصب وعبد الإله كمال الدين، لتتخرج بتفوق، وتواصل طريقها نحو الماجستير ثم الدكتوراه، مقدمة أطروحتها عن مسرحية «رغبة تحت شجرة الدردار» بدرجة امتياز.
خلال سنوات الدراسة، لم تتوقف عن الإنتاج، فأخرجت مسرحية «سترندا» كأول عمل إخراجي، ومثلت في عروض عديدة لمسرح الفن الحديث والفرقة القومية للتمثيل، مثل «الخان»، «أضواء على حياة يومية»، «الرهن»، «بير وشناشيل»، «الأمس عاد جديداً» و«مرحباً أيتها الطمأنينة». ومع مرور الوقت، أخذ اسمها يرتبط أكثر فأكثر بثلاثية نادرة في الوسط المسرحي العراقي: ممثلة وكاتبة ومخرجة في آن واحد.
تراكمت أعمالها لتشمل نصوصاً وإخراجاً وتمثيلاً في مسرحيات مثل «نساء لوركا»، «فوك» التي نالت عنها جائزة الدولة، «يا طيور»، «بيت الأحزان»، «دائرة العشق البغدادية»، «أنا والعذاب وهواك»، «حلم مسعود»، «جنون الحمائم»، «الشرفة»، «الصامتات»، إضافة إلى عملها عن الحشد الشعبي «هلوسة تحت النصر»، ومسرحية «خرابيط»، وغيرها من الأعمال التي عالجت موضوعات اجتماعية ووطنية ونفسية، بجرأة فنية واضحة.. حضورها لم يبقَ محلياً، بل امتد إلى مهرجانات دولية في ألمانيا وهولندا وقرطاج والجزائر والقاهرة والأردن، ممثلةً المسرح العراقي في عروض مثل «نساء لوركا»، «دائرة العشق البغدادية» و«بيت الأحزان».. هذا الحضور الدولي توّج بسلسلة طويلة من الجوائز، من بينها جوائز تمثيل وتأليف وإخراج، وجوائز تكريمية من مهرجانات عربية ودولية، أبرزها تكريم مهرجان قرطاج المسرحي عام 1993 كأول فنانة عراقية تجمع بين التأليف والإخراج والتمثيل، ثم تكريم آخر عام 2005 كفنانة عربية متميزة.
إلى جانب المسرح، كان لها حضور واسع في التلفزيون، كتابةً وتمثيلاً، من خلال أعمال مثل «ليلة من العمر»، «أنا وهي وهو»، «أنا والأصدقاء»، «للنساء فقط»، «فوق السحاب»، «عيون الخوف»، «قلوب تسكنها المحبة»، «أبواب لا تُفتح» و«الشمس في كفي». أما في الإذاعة، فقد تجاوز إنتاجها المئة مسلسل إذاعي والمئة تمثيلية إذاعية، إضافة إلى برامج ثقافية وفنية وبرنامج ثابت بعنوان «مسرح ومسرحيون»، ما يجعلها من أكثر الأسماء النسائية إنتاجاً في تاريخ الإذاعة العراقية.نشاطها النقدي والأكاديمي لا يقل أهمية، إذ نشرت عشرات الدراسات والمقالات في صحف ومجلات عراقية وعربية مثل الجمهورية، الثورة، القادسية، ألوان، مجلة الفنون الأردنية، مجلة المسرح المصرية، الدستور الأردنية، الأسواق، ألف باء، الرافد، ودبي الثقافية. وقدمت بحوثاً في مهرجانات عربية عديدة عن السينوغرافيا، ومسرح الطفل، والمونولوجيا، والمسرح الشعري، ووسائل الاتصال الحديثة، والمسرح العربي في زمن الحداثة وما بعدها، والنقد النسوي، ما يؤكد حضورها كباحثة لا تكتفي بالممارسة، بل تسعى إلى التنظير والتأطير الفكري للتجربة.
مؤسسياً، تولت رئاسة الشعبة المسرحية في نقابة الفنانين لدورتين، وأسست مسرح الطفل في دائرة السينما والمسرح، وأسهمت في تأسيس مهرجان مسرح الطفل القطري، ورابطة نقاد المسرح، ومحترف بغداد المسرحي، وعملت مع فرق مسرحية رائدة مثل المسرح الفني الحديث والمسرح الشعبي والفرقة القومية للتمثيل.
لكن هذه السيرة الحافلة لا تخلو من مرارة واضحة في محطتها الأخيرة، حين اصطدمت بواقع النقابة والمؤسسة الثقافية. فقد وصفت المرحلة التي بدأت عام 2013 بأنها الأسوأ في تاريخ نقابة الفنانين العراقيين، مؤكدة أن النقابة فشلت في الدفاع عن حقوق الفنانين، وأن سوء الاختيار القيادي وغياب الكاريزما والجرأة في المطالبة بالحقوق أديا إلى انسحاب عدد كبير من الأعضاء، في مؤشر على أزمة عميقة في التمثيل المهني للفنانين.
الأكثر إيلاماً في شهادتها هو حديثها عن التقاعد القسري، الذي رأت فيه ظلماً مضاعفاً لفنان لا يمكن قياس عطائه بعمرٍ وظيفي أو قرار إداري. فالفنان، بحسب رؤيتها، مشروع حياة مستمرة، وليس موظفاً يُحال إلى التقاعد بقرار إداري، مهما بلغت خبرته أو تراكم منجزه. وهي اليوم ما تزال تعمل مخرجة أولى في الفرقة القومية للتمثيل، وعضواً في النقابة ورابطة النقاد ومحترف بغداد المسرحي، وقد أنجزت أخيراً عملاً بعنوان «رائحة حرب» بمناسبة يوم المسرح العالمي، وتستعد لتقديم مسرحية «نهار ساخن»، إضافة إلى مشروع تلفزيوني بعنوان «شناشيل بغدادية».
في المحصلة، تبدو سيرة عواطف نعيم أشبه بخريطة كثيفة لتاريخ الفن العراقي المعاصر، بخيراته وأزماته، بانفتاحه العربي والدولي، وبمعاناته المؤسسية المزمنة. إنها سيرة امرأة صنعت مكانتها بالموهبة والعمل المتواصل والمعرفة الأكاديمية، ودافعت عن الفن بوصفه حقاً إنسانياً وذاكرة وطنية، لا وظيفة مؤقتة. ومن هنا، فإن إنصاف تجربتها لا يقتصر على الاحتفاء بجوائزها أو تعداد أعمالها، بل يتطلب أيضاً الإصغاء إلى موقفها النقدي الصريح من واقع الثقافة، وإلى أمنيتها البسيطة والعميقة في آن واحد: أن يؤمن المسؤول العراقي بأن الفنان لا يتقاعد، لأن الإبداع، حين يكون صادقاً، لا يعرف نهاية زمنية ولا قراراً إدارياً.