
يبدع الشاعر نصَّه في لحظةٍ تتماهى فيها الروحُ معَ تجربةٍ صادقةٍ، فتصفو اللغة، ويرقُّ البيانُ، ويتجلى الإبداعُ في قصيدةٍ تسمو بها فكرةٌ نبيلةٌ بمشهدٍ حافلٍ بانسجامٍ دالٍّ على براعة الشاعر وصدق موهبته.
ولعلَّنا إذ نُطالعُ النتاجَ الإبداعيَّ للشاعر العراقي مُضر الآلوسي، فإنَّنا نرى أنَّ هناكَ محطاتٍ عديدةً تستوقفُنا، كاللغة العذبة، والتركيب المنسجم، والصور البيانية التي تكتسي بثوب الجدة والأصالة، فما إنْ يأسرُك بيتٌ شعريٌّ في قصيدةٍ حتى يُطلَّ عليك البيت التالي من نافذةٍ تستدرجك نحوها؛ لتكونَ أسيرَ البيتِ الثاني، وهكذا إلى أن تُتِمَّ القصيدةَ بكامِلها.
وليس غريبًا على العراقِ العظيم بحضارته وتاريخه ومجده أنْ تتالى فيه الحالاتُ الإبداعيةَ في مواكبَ عبرَ أزمنةٍ متَّصلةٍ، وليس غريبًا أيضًا أنْ ينشأ فيه الشعرُ الخالصُ النقاء، الباذخ في حُسنِه وروعتِه، ولقد كانَ مِنْ حُسنِ حظِّنا أنْ نتفيَّأ ظلالَ قصائدِ أحدِ شعرائِه، حتى صرنا في رحابِ المبدع الفذ الشاعر مُضَر الآلوسي، لعلَّنا في هذا المقالِ نُسدي إليه وفاءَ القدسِ لعراقِ روحِه، ومحبَّةَ الأوطانِ لحدائقِ بوحِه.
ونسعى في هذه السطور إلى إجلاء نواحي الحُسن في لُغتِه الشاعرة من نواحٍ عديدة، ونبدأ أولًا بالقول: إنَّ مدى هذا الإبداعِ الشعري لديه لا تحدُّه سماءٌ، ولا يُقيده أفق، لأسبابٍ كثيرةٍ منها: أنَّ تلك اللغة الشاعرة هي لغة ذات طابع ثقافي، تتجلَّى فيها سلامةُ الفهم الدقيق للقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، والتواصل المستمر مع التراث العربي؛ شعره، ونثره، وليس كذلك فحسب، إنما شاعرنا مُطَّلعٌ حصيفٌ على ما يستجدُّ أدبًا عربيًّا أو أجنبيًّا.
وإنَّنا حين نقرأ شعرَه، نجد التعالق النصي معَ آياتِ القرآن الكريم بتوظيفٍ فنيٍّ دقيقٍ، يعكسُ قدرة اللغة لديه على أن تتناصَّ مع النص القرآني بشكلٍ يخدم فكرَ النصوصِ الشعرية.
ونقرأُ في الحضور الشعري لديه انعكاسًا متألقًا للشعر العربي؛ قديمِه، وحديثه، فنجدُ ثقافته على اتصالٍ معَ شعراءَ كثيرين، مثل: امرئ القيس، والمتنبي، والسَّيَّاب، ونزار، ودرويش، وغيرهم الكثير.
ومن هنا يمكن القول: إنَّ إبداع الشاعرِ متجددٌ دافقٌ، ذو منحًى فنيٍّ رائق، يقوم على أصالةٍ عربيَّةٍ متحدةٍ معَ ما تُنتجه المعاصرةُ من فكرٍ سليم، فإذا وقفتَ عند قصيدتِه بعنوان « مجرد وقت « تجد أنَّ روحَ السياب تتسللُ في مداه، خاصة حين يقول:
سأنتظرُ الوقتَ
حتَّى يمرَّ بغير اختصار
ويأكل خبز الجياع
بعين النهار
ويسرق صوتَ الشعوبِ التي
لم تقل ولم تنتبه
لحجم الضياع
هكذا اعتدنا أنْ نرى السيَّابَ متحدِّثًا عن الوطن وأوجاعِه، وعن الخبزِ وجياعِه، وعن رفض هذا الواقع، ومضر يوازي الروح السَّيَّابية دون أنْ يتوارى إيماءً دون تصريح؛ بل يحسنُ به أنْ يُسمى ناصرَ الفقراء والضعفاء.
وفي القصيدةِ نفسِها يُذكِّرُنا الشاعرُ بنزار قباني، حين رثى العروبة والعرب في قصيدتِه بِلْقيس، فالشعورُ لديهما واحدٌ، لا سيما وهما يبحثان عن كنه العروبة في هذا الزمان الشقي، يقول الشاعر مُضر:
وما زال في الوقتِ متَّسعٌ للعروبةِ
أنْ تشطبَ الآنَ أسماءَها
فإنَّا حفاة
وأحلامنا عورة لا تغطي العراة
ولسنا نُجيدُ إذا ما صحونا
سوى بيعِ هذا الكلام
ونصلحُ للدفنِ حين ننام
ومِمَّا يلفتُ الانتباه في شعر مُضر الآلوسي أنَّنا نرى في مطالعِ قصائده تقديمَ الآخر على ذاته، في محاولةٍ شعريَّةٍ ذكيةٍ تضفي على الآخر رونقَ الحياةِ وفكرةَ الشعر؛ ثناءً ومدحًا، فهو يغيِّبُ نفسَه ويُظهر الآخر؛ لأنَّ الموقف الشعري أدعى في هذه الحال إلى أنْ يُبرهنَ على صدق النوايا تجاه ما يخاطب، فعندما مدح اللغة العربية قال:
يغيبُ سنا صوتي وصوتُكِ حاضرُ
مُقيمٌ وصوتُ الحاضرينَ مُغادرُ
وعندما شَرُفَتْ به الجزائر قال مادحًا:
يغيبُ سنا وجهي ووجهُكِ حاضرُ
وتؤمنُ بي عيني وحسنُك كافرُ
وفي نص « إصغاء « إذ يحملُ مضامينَ المدح قال:
في حضرةِ المعنى لسانيَ أبكمُ
أُصغي لبابِ العِلمِ لا أتكلَّمُ
ويُمكننا الحديثُ عن اللغة الشاعرة عند شاعرِنا في نقاطٍ نبرزُها في الآتي:
أوَّلًا: شاعرية الكلمة
ما إنْ تردُ الكلمةُ في سياقها الشعري حتى تشع بدلالةٍ إيحائية خاصة، فقد تكونُ الكلمةُ خارجَ القصيدة ذات معنًى غير شعري، لكنَّها ما إنْ تُطوَّع لغرضٍ شعري حتى تكتسي بوميضٍ دلالي إيحائي، وهذا ما يدللُ على أنَّ لدى شاعرنا طاقةً شعريةً هائلة، ومعجمًا شعريًّا مكتظًّا بحيوية الكلمات في ذات السياق، والأمثلة على ذلك كثيرة، انظر مثلًا لتوظيفه كلمة « أسلاكنا « في قوله:
السَّارقون مصادرَ الأضواء من
أسلاكنا في حفلةِ الإطفاءِ
فكلمةُ « أسلاكنا « هنا اكتسبت حضورًا شعريًّا مائزًا بخلاف لو وردتْ في سياقٍ غيرِ شعريٍّ، وهي هنا تدلُّ على ما تدل عليه كلمة « أرواحنا « مثلًا.
وانظر أيضًا إلى كلمة « مملَّحة « في قوله:
هل كنت أرغفةً مُمَلَّحةً بجو
عِكَ كلما صرخ اليتامى أُطعموا
كيف اكتسبت ومضةً شعريَّة وطاقةً حيوية دافقة حين انسجمت في تركيبٍ شعري مشع، بدلالة فداء الإمام علي – كرم الله وجهه – لليتامى، وانظر أيضًا إلى التركيب « مُمَلَّحة بجوعِك» في إشارةٍ تدلُّ على جلال الموقف أمام لحظةٍ ذاتِ جبروت قاسٍ في نفوس اليتامى.
وتأمَّلْ الدفقة الشعرية التي تحملُها كلمة « المساحيق» بعد انتظامها في نفَسٍ شعري متصل، يقول:
لا تغسليني بالمساحيق المسببة الغيابِ على جبيني
أنتِ اشتعالُ العقلِ في غُرف التبعثُرِ والجنونِ
إنَّ كلمة « المساحيق» اكتسبت دلالتها الإيحائية من خلال سلامة النسج وحسن السبك في البيت، والشاعر استعان بها إشارةً إلى الأعذار التي يسببها الغياب، ولو وردت تلك الكلمة في سياقٍ غيرِ شعري لما كان لها ذلك الوميض وذلك الوهج الشعري، فالسياقُ هو الميدان الذي من خلاله تحولت الكلمة من كلمةٍ غيرِ شعرية إلى كلمةٍ شعرية.
ثانيًّا: شاعرية الانزياح
الانزياحُ الشعري أحد مداخل الدلالة على صدق الموهبة الشعرية وقوتها، ويُوظف سياقيًّا؛ ليُحقِّقَ في القصيدةِ كُنهها؛ حيث التطوافُ في عالمِ الأخيلةِ والصور البديعة، وشاعرُنا يعلمُ كيف يُقولب التركيب وينسجُ من أسراره ذلك البوح الانزياحي في مدى أرحب وحضور دلالي أعمق، ونمثِّلُ في هذا المجال ببضعةِ أبياتٍ شواهدَ على فنيَّة الانزياح الشعري ومدى خدمته للغة الشاعرة عنده، يقول في مدح الرسول الأعظم – صلى الله عليه وسلم:
أنتَ اتقادُ الوعي في صنَمِ الجها
لةِ حينَ مسَّ العالمَ الإطفاءُ
البيتُ هنا موشًى بانزياحاتٍ شعريَّةْ تخدمُ التركيبَ والدلالة، فهو يمنحُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم- صفةَ اتقاد الوعي، وفي هذا التعبير ما فيه من الإشارة إلى حكمةِ النبيِّ المرسل وسلطان وعيِه الذي ذوى في إثره كل معنًى للجهالةِ الآثمة، وفي البيت أيضًا انزياحٌ شعري في قوله: « صنم الجهالة»؛ حيث ألقى شاعرُنا على الضلالة وتسلط الجهل والعماء فترة ما قبل البَعثة دلالة الصنمية، وفيها ما يوحي بجمود الفكر وتيبُّس العقل أمام جهالته، وفي التعبيرِ « مسَّ العالمَ الإطفاءُ « تصويرٌ فنيٌّ بديعٌ يومئُ به الشاعر إلى فرطِ تغلغل الجهلِ في عالم الأسماء قبل مقدمِه نورًا وسراجًا منيرًا.
إنَّ تتالي هذه الانزياحات الثلاثة في بيتٍ شعري واحد سمحَ للمعنى الشعري أنْ يؤديَ غرضَه، وخدم اللغةَ الشاعرةَ لدى شاعرنا، ومنحها وسمَ التألقِ في حضرة الجمال، وأعطت إشارة تشي بسمو الموهبة الشعرية عنده.
ومن جميلِ ما في القصيدة نفسِها يقول:
أنتَ المسافاتُ الطويلةُ كيف أقـ
طعُها ورجلُ كتابتي عرجاءُ
هذا البيت يختزلُ في ذاتِه مضمونَ طريقٍ يُرهقُه السفرُ وصولًا إل المُبتغى حيثُ لقاءُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم- وهذا الطريقُ طويل، يضع الشاعر أمامَ تساؤلٍ: كيفَ له أنْ يقطعه، وما لديه لا يكفي لقبولِه أمام الحضرة العلية، والانزياحُ هنا شعري بامتياز، لم يقصد فيه الشاعر تصوير حال بعده عن اللقاء بحال المسافات الطويلة التي تحتاجٌ زمنًا للوصول؛ إنَّما يقصدُ – بحكمة منه – أنْ يُبرهنَ أنَّ ما لديه غيرُ كافٍ، فالمقامُ يحتاجُ إلى المزيد مما يُقنعُ أنَّ اللقاءَ يتطلبُ التوسل بأعظم الغاية؛ لتشفع له بسلامة القبول، رغم ضعف الإمكانات، وفي هذا ما يوحي أيضًا بأنَّ شاعرَنا يطمحُ إلى أنْ تكونَ سريرةُ الشعر لديه وما فيها من صدقٍ شفيعةً له؛ ليحظى بالقبول في موقفٍ جليلٍ أمامَ الرسول، ولعلَّنا نستذكرُ هنا كعبَ بن زهير الذي طوى مسافاتِ الحنين يقطعها ظمأً للقاء الرسول، فبيتُ شاعرِنا يومئُ إلى قول كعب:
ما زلتُ أقتطعُ البيداء مُدَّرِعًا
جُنحَ الظلامٍ وثوب الليل مسبولُ
حتى وضعتُ يميني لا أنازعُهُ
في كفِّ ذي نقماتٍ قيلُهُ القيلُ
لكنَّ شاعرَنا لم يجئْ طالبًا عفوَ ذنبٍ، إنَّما معانقًا قلبَ حِبٍّ.
والانزياحاتُ التي عرضناها في البيتين جعلتْ اللغة الشاعرة عند شاعرنا مضر موسومةً بقدرٍ عالٍ من الجذبِ بما مَنَحَتْهُ من طاقةٍ إبداعيةٍ نقلتْ المُتلقِّي من اعتيادية المشهد إلى عنقاءِ صورةٍ تولَّدتْ إثرَ عاملٍ إبداعيٍّ بُعِثَ من جذوةِ صاهلةٍ من تلقاء بوحِ الشَّاعر، فالشاعر لم يُفضِّل التصريح؛ إنَّما اتخذ من إشارية الصورة وسيلةً؛ ليُفصحَ عن المعاني التي تولَّدتْ في نفسِه.
ثالثًا: التكرار
يُمكن القول: إنَّ بِلغةِ الشاعر منحًى يُطلُّ من نافذة إبداعه، وهذا المنحى يعمدُ إلى التَّكرار، لكنه تكرارٌ غيرُ مُمِلٍّ، ولا يمنح القصيدةَ سمت الرتابة والجمود؛ بل الحياة والتجدد؛ ذلك لأنَّه تَكرارٌ يؤدي إلى تعميق الدلالة والمعنى، ويردف اللغة بماء حياتِها، نرى ذلك في قصائدَ عديدةٍ، منها قصيدته في مَيسان، وهي محافظة من محافظات العراق، يقول:
الماءُ كان ولم تكنْ ألوانُ
كان العراقُ ولونُه الإنسانُ
من ذلك الماء النقي تكثَّفوا
واستوقفوا ضوءَ المكان فكانوا
ولأنَّهم أبناءُ هذا الماءِ رقَّ
بصوتهم دمعُ الغناء فلانوا
ولأنَّهم أسباطُ هذا الماء لم
تلقيْ أخًا في بئرهم أضغانُ
ولأنَّهم من ذئبِ هذا الماء في
قمصانهم ما يدَّعي الإخوانُ
ولأنَّهم أطفالُ هذا الماء لم
تنبتْ على أهوارهم أسنانُ
ولأنَّ هذا الماء ماس بقلبِهم
كالعشقِ كانتْ أمَّهم ميسانُ
إنَّ التَّكرارَ في القصيدةِ السابقة أضفى على اللغةِ شاعريةً ذاتَ إيحاءٍ متولِّدٍ؛ ذلك لأنَّه يجسُّ نبضَها، فيوحي بارتيادِها؛ لتحملَ مضامينَ هائلة، تفيضُ بدفقاتٍ موغلة بالمقصد الأسمى وهو هنا « حب العراق والعراقيين «.
انظر إلى تكرار « الماء» سبع مراتٍ، فلم يتشكل إثرَ ذلك عبءٌ أو ثِقلٌ يُسيءُ للمعنى؛ بل أدَّى هذا التَّكرار إلى توثيق الصلةِ بين حب العراقيين وأصل وجودهم؛ حيث الفرات؛ إذ يفيضُ بما تفيضُ به قلوب العراقيين من محبةٍ وأصالةٍ، وانظرْ إلى التوكيد المكرر خمس مرات، وكيف أفهمنا أحقيَّةَ العراقيين بشرع هوى الفرات ومحبَّته.
إنَّ التكرار تتالى نتيجةَ فيضٍ تجلَّى في ذاتِ الشاعر، وصرَّح عنه بأسلوبه الذي عمدَ إلى ترسيخ الصلة وتقوية العلاقة؛ علاقة الفرد بالوطن. وبعد، فقد قدَّمنا في هذه السطور بعضَ ما يُبرهنُ على شاعرية اللغة عند الشاعر مُضر الآلوسي، وتوسَّمنا ذلك من خلال ثلاثةِ أمور، وهي: شاعرية الكلمة، وشاعرية الانزياح، والتكرار، ولسنا في هذا المقام نفي حقَّ شاعرِنا، فالحديثُ عنه وعن لغته العذبة يحتاجُ إلى دراساتٍ عديدة؛ كونَ لغته وقَّادة، تجترحُ في النَّفسِ رؤًى وعوالمَ تدورُ في ملكوتِ سحرِ بيانه.