
في ظل ما يشهده المشهد الثقافي العراقي من تحديات وتحولات، تبرز دائرة الفنون الموسيقية بوصفها إحدى أهم المؤسسات الحافظة للهوية الفنية والتراث الموسيقي، وصانعة لأجيال من المبدعين. في هذا الحوار الخاص، يفتح الدكتور فائز طه سالم، المدير العام لدائرة الفنون الموسيقية، ملف تاريخ الدائرة، ورؤيتها التربوية والفنية، ودورها في حماية التراث، وتحديات الواقع، وآفاق المستقبل، وصولاً إلى حلم دار الأوبرا العراقية.
ـ اهلا وسهلا بكم استاذ ضيفا على الزوراء ونحن ضيوفكم اليوم .
* اهلا ومرحبا بكم .
ـ بداية، نود أن نعرّف القارئ بدائرة الفنون الموسيقية وتاريخها.
* بسم الله الرحمن الرحيم، أشكر جريدتكم العريقة التي شكّلت بصمة تاريخية وثقافية وفنية عبر العقود. دائرة الفنون الموسيقية هي إحدى الدوائر العريقة في الدولة العراقية، وكان من مؤسسيها الفنان الراحل منير بشير، هذا الرائد الكبير الذي أسهم في تأسيس مدرسة معهد الدراسات الموسيقية ووضع قوانينها ولمساته الواضحة في بناء هذه المؤسسة.
الدائرة تأسست ضمن قانون وزارة الثقافة والسياحة والآثار، إلى جانب دوائر أخرى كالفنون التشكيلية ودائرة التراث. وهي تضم بنية مهمة لإنتاج الفن الاحترافي وصناعة المواهب الشابة من الجنسين في مجال الموسيقى.
ـ ما الدور الذي تؤديه مدرسة الموسيقى والباليه التابعة للدائرة؟
* مدرسة الموسيقى والباليه من أقدم المدارس المتخصصة في الشرق الأوسط تقريباً، ولها تاريخ عريق في تخريج أجيال من الفنانين والموسيقيين، كثير منهم اليوم أعضاء في الفرقة السيمفونية العراقية ومحترفون معروفون.
تجمع المدرسة بين الجانب التربوي والجانب الفني الاحترافي، ولديها كوادر متخصصة وقاعات تدريب، وكانت وما تزال تشترط أن يكون الطالب متميزاً دراسياً وفنياً في آن واحد، حفاظاً على مستوى الجودة، حتى يُزرع في الطفل والشاب الحس الفني والإنساني إلى جانب التحصيل العلمي.
ـ تحدثتم عن مسؤولية الدائرة في الحفاظ على التراث الموسيقي العراقي، كيف يتحقق ذلك عملياً؟
* عنوان الدائرة واسع ويشمل جميع التشكيلات الموسيقية، من الفرق التراثية إلى الفرقة السيمفونية. لكن في فترات سابقة حدثت إشكالات إدارية وفنية أدت إلى خروج بعض الفرق من مظلة الدائرة إلى جهات أخرى.
بعد تسلمي المنصب، رفعت هذه الإشكاليات إلى السيد وزير الثقافة الدكتور أحمد فكاك البدراني، لأنها تخالف القانون. حالياً هناك اجتماعات لإعادة هذه الفرق إلى الدائرة والعمل ضمن رؤية مؤسساتية منظمة.
أما من ناحية التراث، فالدائرة تعمل عبر مناهجها وأقسامها ومهرجاناتها على تأصيل الموسيقى العراقية وحمايتها من الاندثار، إضافة إلى دور معهد الدراسات الموسيقية في تخريج مختصين بالتراث الموسيقي.
ـ كيف تبدأون باكتشاف الموهبة الموسيقية لدى الأطفال؟
* القبول في مدرسة الموسيقى والباليه يتم عبر لجان تخصصية من أساتذة الموسيقى والباليه، حيث تُجرى مقابلات واختبارات دقيقة للحس الموسيقي والإيقاع والتذوق الفني، حتى وإن كان الطفل لا يعرف أسماء الآلات الموسيقية بعد.
الهدف هو اكتشاف الموهبة منذ الصغر وصقلها ضمن منهج علمي وتربوي متكامل.
ـ ماذا بعد تخرج الطالب من المدرسة؟ هل توجد مسارات واضحة له؟
* بالتأكيد. الطالب يمكنه الالتحاق بمعهد الدراسات الموسيقية أو كلية الفنون الجميلة/ قسم الموسيقى، وله أولوية القبول لأنه يمتلك أساساً علمياً وفنياً متكاملاً.
كثير من الخريجين يعملون اليوم في الفرقة السيمفونية أو يشكلون فرقاً خاصة، وبعضهم يكمل دراساته العليا ليصبح أستاذاً في هذا المجال. وحتى إن لم يعمل في الموسيقى، فإنه يحتفظ بموهبة فنية راقية تؤثر إيجاباً في شخصيته ومسيرته.
ـ ما دور المهرجانات، ومنها احتفالية المولد النبوي الشريف، في عمل الدائرة؟
* المهرجانات ليست مجرد نشاط موسمي، بل هي وسيلة دائمة لعرض نتاج الفرق والطلبة ومنحهم خبرة احترافية. نحن نشارك في المناسبات الوطنية ومهرجانات الوزارات والمؤسسات المختلفة.
خلال الأشهر الماضية أعيد تفعيل الفرق التراثية التي كانت مهمَلة، وبدأت الفرق المركزية تعمل بشكل منتظم، ولاحظنا إقبالاً جماهيرياً كبيراً، ما يؤكد أن الموسيقى العراقية ما زالت حية وقادرة على التأثير.
ـ كيف أسهمت الدائرة في مهرجان التسامح؟
* الموسيقى لغة عالمية تتجاوز الخلافات، وفي مهرجان التسامح شاركنا مع مؤسسات ثقافية أخرى، وقدمنا فقرات وأناشيد وطنية وإنسانية شارك فيها مسلمون ومسيحيون وصابئة. هذا التمازج الفني جسّد معنى التسامح الحقيقي عبر لغة الوجدان.
ـ ماذا عن مواكبة التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي في الموسيقى؟
* لدينا قسم للبحوث يعقد جلسات نقدية وعلمية لدراسة كيفية توظيف التكنولوجيا الحديثة في خدمة التراث الموسيقي، خصوصاً في مجالات التوثيق والحفظ، دون المساس بروح الموسيقى الأصيلة.
ـ ما أبرز مشاريعكم المستقبلية؟
* نعمل حالياً على صيانة الآلات الموسيقية القديمة وتحسين البنى التحتية، إضافة إلى استكمال تجهيز قاعة الشعب وقاعة الرباط.
لكن المشروع الأهم هو دار الأوبرا العراقية، وهو حلم ثقافي كبير وُضع أساسه منذ عام 2004 أو 2005 ولم يكتمل حتى الآن. دار الأوبرا ستكون صرحاً عالمياً للعروض الموسيقية والتبادل الثقافي الدولي، ونتمنى أن يرى هذا المشروع النور قريباً.