
قبل أن تتحول مشكلة إطالة العمر إلى مشروع بيولوجي داخل المختبرات، كانت حلماً فلسفياً قديماً تجسّد في فكرة إكسير الحياة أو شراب الخلود الأسطوري. ذلك الحلم الذي راود الخيميائيين وهم يمزجون بين الفلسفة والكيمياء البدائية والتصوف، بحثاً عن شراب يشفي من الأمراض، ويطيل العمر، ويمنح الإنسان خلوداً لم يكن سوى استعارة كبرى عن توق البشر إلى هزيمة الفناء .
اليوم، يعود السؤال ذاته ولكن من بوابة العلم والتكنولوجيا. ففي أجواء الشتاء الأكاديمي والسياسي التي غلّفت العالم في منتدى دافوس 2026، أطلق إيلون ماسك تصريحاً بدا وكأنه صدى حديث لعصور الخيمياء، لكن بلغة البيولوجيا الحديثة. قال إن الشيخوخة ليست قدراً حتمياً، بل هي مشكلة قابلة للحل، وإن البشرية قد تكتشف مستقبلاً آلية بيولوجية تمكنها من إطالة العمر، وربما حتى عكس عملية الشيخوخة نفسها. ولم يكن هذا الطرح معزولاً عن سياق فكري سبق أن عبّر عنه ماسك مع المهندس الأميركي من أصل يوناني بيتر ديامانديس أحد أبرز المنادين بتسريع الابتكار التكنولوجي. وهنا ظهرت الفكرة بصيغة أكثر جرأة : نحن من الناحية البيولوجية «مبرمجون للموت»، وإذا استطعنا تعديل هذا البرنامج، فقد نعيش أطول مما نتخيّل !. وفي عالم تتسابق فيه الشركات العملاقة ورؤوس الأموال نحو أبحاث مضادات الشيخوخة، من الجراحات الجزيئية إلى التعديلات الوراثية وتجارب الخلايا الجذعية، لا تبدو تصريحات ماسك ضرباً من الخيال العلمي، بل جزءاً من مسار علمي واقتصادي يتسارع بالفعل. غير أن السؤال الذي يطفو هنا ليس بيولوجياً فقط، بل فلسفي وأخلاقي بامتياز: هل ينبغي للعلم أن يسعى إلى إنهاء الموت نفسه ؟. اللافت أن ماسك، رغم حماسه العلمي، لا يتجاهل البعد الاجتماعي. فهو يرى أن إطالة فترة الصحة في حياة الإنسان هدف مشروع، لكنه يحذر في الوقت ذاته من أن الخلود المطلق قد يبطئ حركة المجتمع ويجمّد الأفكار، إذا ظل الناس في مواقعهم لعقود أطول مما اعتدناه. وهنا يقف ماسك عند مفترق دقيق بين طموح العلم وحدود الاجتماع البشري، مذكّراً بأن كل تقدم تقني يجب أن يُقاس بآثاره على الإنسان والمجتمع، لا بقدرته على كسر الحدود الطبيعية فحسب. قد ننجح يوماً في إضافة سنوات إلى أعمارنا، لكننا سنجد أنفسنا مضطرين لإعادة تعريف مفاهيم العمل، والأجيال، وحتى معنى الحياة نفسها. وهكذا يعود حلم الفلاسفة القديم في الوصول إلى أكسير الحياة، لا بوصفه أسطورة، بل احتمالاً علمياً يلوح في الأفق. وما يطرحه ماسك ليس مجرد وعد، بل دعوة للتفكير في حدود تقنية لا تهدأ، في مجتمع لا يتوقّف عن السؤال عن معنى الوجود، وما إذا كان بإمكاننا في يوم من الأيام ألا نموت، بل أن نعيش أطول، ونفهم الحياة أكثر.
وفي النهاية، تبقى الأعمار بيد الله سبحانه، خالق الموت والحياة.