رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
نحو الانفجار الكبير .. كيف يعاد رسم المنطقة بالقوة !


المشاهدات 1320
تاريخ الإضافة 2026/01/21 - 10:15 PM
آخر تحديث 2026/01/26 - 7:49 AM

تعيش المنطقة مرحلة يمكن وصفها بأنها انتقال من الترقّب إلى الجاهزية الصدامية. لم تعد المسألة مرتبطة بتقدير نيات الولايات المتحدة أو إسرائيل، ولا بانتظار الإشارات الدبلوماسية أو التسريبات الاستخباراتية، بل بات واضحاً أن ثمة مساراً يُدفع إليه الواقع الإقليمي دفعاً، عنوانه توسيع نطاق المواجهة، وإعادة تشكيل موازين القوة بالقوة الخشنة، لا عبر التسويات.
في هذا السياق، تبدو واشنطن وتل أبيب في حالة استنفار سياسي وعسكري متقدم، تشارك فيه أطراف أوروبية، مع استعداد بعض القوى الإقليمية للعب أدوار وظيفية متفاوتة. الهدف المعلن أو الضمني يتجاوز حدود الصراع التقليدي، ليصل إلى محاولة كسر مراكز الثقل المناهضة للهيمنة الأميركية، سواء تمثلت بدولة كإيران أو بشبكة قوى مقاومة منتشرة في أكثر من ساحة. ويترافق ذلك مع استمرار حرب الإبادة المفتوحة على الفلسطينيين، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من هذا المسار، لا مجرد ملف جانبي.
ما يلفت الانتباه أن هذا الاندفاع نحو التصعيد لا يترافق مع رغبة حقيقية في التفاوض. فالتجربة تشير إلى أن ما يُعرض من مسارات تفاوضية ليس سوى صيغ استسلام مؤجلة، تُستخدم لإدارة الوقت وتفكيك الخصوم من الداخل. من هنا، يتراجع منطق الوساطات والرسائل غير المباشرة، ليحل مكانه منطق الإعداد للمواجهة بوصفها أمراً واقعاً، لا سيناريو افتراضياً.
التحليل التقليدي يميل غالباً إلى تضخيم عناصر القوة العسكرية والتكنولوجية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ويغفل في المقابل نقاط الهشاشة البنيوية التي كشفتها تجارب العقدين الأخيرين. فالقوة الجوية والبحرية، والتفوق الاستخباراتي، لم تمنع واشنطن من الخروج المنهك من العراق وأفغانستان، ولم تحل دون تحوّل إنجازاتها العسكرية إلى أعباء سياسية ومالية داخلية. هذه التجارب تؤكد أن القدرة على شن الحرب لا تعني القدرة على تحمّل كلفتها أو التحكم بمآلاتها.
في الإقليم، لا يمكن فصل مشهد التصعيد عن شبكة التوازنات المعقدة بين القوى الكبرى والإقليمية. فروسيا والصين تراقبان من موقع الشريك المنافس، لا الحليف التابع، فيما تتحرك دول إقليمية كتركيا ومصر والسعودية ضمن هوامش ضيقة، تحاول من خلالها حماية مصالحها وحدود نفوذها، لا خوض معارك بالنيابة عن أحد.
أما في الداخل الأميركي، فإن العامل السياسي لا يقل خطورة عن العامل العسكري. الانقسام الحاد، والقلق الانتخابي، وصعود النزعة الشعبوية، كلها عوامل تدفع القيادة الأميركية إلى البحث عن إنجازات خارجية تُسوّق داخلياً بوصفها دليلاً على استعادة الهيبة. الرهان على «صدمة القوة» لا يزال حاضراً في العقل السياسي الأميركي، حتى لو أثبت الواقع مراراً أن هذا الرهان قصير النفس ومكلف.
في إسرائيل، يتجاوز الأمر حسابات حكومة أو زعيم بعينه. فالعقيدة الأمنية السائدة تقوم على مبدأ إدارة الصراع لا حله، وإبقاء الجبهات مفتوحة بما يسمح بتوجيه ضربات دورية تمنع تراكم قوة الخصوم. لذلك، فإن ما يُقدَّم أحياناً بوصفه مغامرة أو تهوراً، هو في جوهره تعبير عن إجماع استراتيجي عميق، يرى في التصعيد الدائم وسيلة للبقاء، لا خياراً اضطرارياً.
أمام هذا المشهد، يصبح السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت المواجهة قادمة، بل كيف ستُدار، وبأي أدوات. التركيز على نقاط ضعف الخصم، سواء في بنيته الاجتماعية أو في قدرته على تحمّل الخسائر الاقتصادية والمالية، يبدو أكثر واقعية من الانشغال بسرد طويل لموازين القوة العسكرية. فالتجربة أثبتت أن المجتمعات المنقسمة، والأنظمة المثقلة بالأزمات الداخلية، تكون أقل قدرة على الصمود في الحروب الطويلة.
الخلاصة أن المنطقة تقف عند مفترق حاسم. الاستمرار في إدارة الصراع بعقلية الخطوط الحمر والقيود السياسية قد يفتح الباب أمام خسائر أكبر، فيما يفرض الواقع إعادة نظر شاملة في قواعد الاشتباك، وفي طريقة التفكير بالمواجهة نفسها. ليس لأن الحرب خيار مرغوب، بل لأن تجاهل حتمية اندفاع الخصم نحوها قد يكون كلفته أعلى بكثير من الاستعداد لها بوعي وحساب.


تابعنا على
تصميم وتطوير