
تساهم حركات سياسية واصولية ، تسيدت المشهد العربي خلال العقود المنصرمة في استكمال المخطط الاستعماري ، المتجلي بالتقسيم الجغرافي والتفتيت على أسس طائفية ودينية وعرقية ، تسللت الى المجتمع ، ليتقدم خطابها على الخطاب الوطني أو القومي ، ما أدى الى تصدع البنى الاجتماعية والسياسية ، والسماح لدخول دول إقليمية وقوى دولية الى الساحات القطرية ، لنبش وإثارة الصراعات والمناكفات بين شعب فقد مقومات الانتماء مع تراجع الحس الوطني ، والانشغال بنزاعات أسهمت بتعزيز ما رسمته تلك المخططات لخرائط يتكرس فيها الانقسام وإثارة النعرات الطائفية والعرقية لتطبيق نظرية الفوضى اللا خلاقة في المضمون والغايات .
وأصبحت القوى المتطرفة التي تحمل الصوت السياسي المذهبي أدوات لتنفيذها إنسجاماً مع مشروع التفتيت الذي وافق عليه الكونغرس الأمريكي عام 1983 بالاجماع خلال جلسة سرية تقدم به الباحث والمؤرخ الصهيوني الأمريكي ( برناد لويس ) يقضي بإعادة تقسيم المنطقة ، والخروج من التقسيم السابق ( سايكس بيكو ) .
وقد دخل هذا المشروع كأساس لتلك الاسترتيجية حيز التنفيذ تحت ذرائع مختلفة للتدخل في الدول العربية ، باستخدام القوة الناعمة من خلال وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي ورفع عناوين الديمقراطية وحقوق الانسان ونحو ذلك ، والقوة الخشنة بشن الحروب تحت عناوين أخرى . وتجلى أيضاً خلال السنوات المنصرمة ارتفاع منسوب خطاب الكراهية ، من عقول عالقة بين جدران الماضي ، لاشاعة الخوف المتلفع بغطاء مذهبي أو عرقي ، وإحتضان عناصر متطرفة ما برحت تشكل تهديداً لأمن وأستقرار الدول والمجتمعات ، إذ أصبحت ذراعاً لأجهزة مخابرات دولية تستثمرها لتمرير المخططات وتمزيق السلم الأهلي .
إن هذهِ السياسات والمخططات نتاج دراسات معمقة قدمتها مؤسسات علمية تقرأ وتفكك ما يفكر به الانسان العربي ، لتتحول بعض البلدان الى الدولة الطائفة ، العراق ، لبنان مثالاً وهذهِ السياسة اخطر من التقسيم الجغرافي لتهديم البنية الاجتماعية ، واذكاء الصراعات السياسية وتغذية العنف لإنتاج واقع ملوث بالخلافات وسفك الدماء . في حين تعلن تلك الحركات المتطرفة مناهضتها لتلك المخططات وسعيها للهيمنة والسيطرة على الدول العربية ، فيما ينفذ كل اساليبها من خلال رفض الحوار مع الآخر ، لأن الاختلاف أصبح معضلة لا نجاة منها سوى بالصمت أو البحث عن كلمة لا تحمل الاتهام ، من عقول تطلق سهام التجريم ، باستعمال العنف اللفظي أو المسلح ضد المختلف عنها داخلياً . ما يشير الى أن الانسان العربي لم يتجاوز الصراعات والخلافات التي ظهرت قبل أكثر من الف عام ، فهو مازال يعيش بين أسيجة دوغمائية تمنحه السعادة بما يؤمن لامتلاكه الحقيقة الإلهية ، و رفض ما يملك الآخر من قناعات و معتقدات يراها خاطئة ، تدفعه الى إزاحته و تكفيره و السعي الى قتله ، لأنه لا يعترف بالقول المأثور إن العين بالعين ستجعل العالم كله أعمى ليتجدد العنف باشكال ووسائل تقنية جديدة فرضها الواقع الحديث الذي عمق الحروب والنزاعات ، باستخدام السوق الالكتروني الغارق بالتكاره وإطلاق التهم والترويج السلبي بين مكونات المجتمع في بيئة هشة ، ليس عسيراً إيقاظ العنف وإختراق السلم المجتمعي الذي طالما شهد سفك الدماء والصراعات خلال السنوات الماضية ، لاستخدامها ذات الخطاب ، دون التفكير في بناء حاضر مستقر ومستقبل مزدهر ، يتوجب أن يعيش فيه الافراد والجماعات على قيم الحرية والتعايش والتسامح ، التي تشكل أسس البناء الديمقراطي ، بالإضافة الى الآليات الأخرى كالانتخابات والتداول السلمي وإقامة دولة المؤسسات ، وليس اللهاث نحو السلطة التي تحقق غايات وأهواء شخصية ودوافع سياسية قائمة على الخداع وتضليل جمهور يتطلع الى العدالة والأمن والكرامة .