
أعظم خسارة تقع حين تغادر القيادة منطق الدولة إلى منطق اللحظة:
يصبحُ القرارُ ردّ فعل، تتحولُ المؤسسةُ إلى ديكور،
تُدارُ السيادةُ بارتجال، ثم يتكاثر النزيف من دون أن يظهر جرح واحد واضح.
عندئذٍ تتوالد الأزمات.. لأن الأسئلة الذكية الجريئة تتراجع،
ولأن العمى الاستراتيجي ومنطق الخلاص الفردي والانتهازية اللحظوية يستقر داخل ما أُسميه[متلازمة العوّق الاستراتيجي]:
عقل يرى السطح، يراهن على المكسب القريب،
ثم يدفع أثماناً بعيدة. يقتضي من العقل القيادي السيادي ان يتجاوز الخطابة والكاريزما، فهو {نظام تشغيل للدولة} يتكون من ست وظائف: تحديد المصلحة العليا، قراءة البيئة، تصميم البدائل، حسم القرار ضمن قيود الشرعية، تحويل القرار إلى إنجاز،
ثم مراجعة وتعلّم. يكفي ان تتعطل وظيفة واحدة لتحويل القوة إلى ضوضاء، النفوذ إلى استنزاف.
فجوات العقل القيادي… الخلل كَبُنية مستحكمة
تتكاثر مؤشرات الخلل البنيوي في تركيبة العقل الوظائفي السياسي والقيادي في العراق، يتبدّى ذلك من خلال:
١-[فجوة السؤال السيادي] يحدد السؤال الهدف وحدود الوسائل وتكلفة الزمن. حين يضعف السؤال، تكبر مساحة الكلام، وتضيع الأولويات، وتُستهلك الطاقة في معارك جانبية.
٢-[فجوة تعريف المصلحة العليا] عندما تختلط المصلحة العامة بمصالح الأشخاص والكتل، تظهر دولة بوجهين: {خطاب وطني في العلن، توزيع منافع في الخفاء}. هذا الخلط يصنع قراراً متردداً، ويغذي اقتصاد الريع السياسي، ويخفض هيبة القانون.
٣-[فجوة هندسة القرار] حيث ان تعدد مراكز التأثير من دون مسار قرار واضح يصنع تناقضاً دائماً: {توجيه ثم تراجع، وعد ثم تباطؤ، إعلان ثم فراغ تنفيذ}.
في عالم ا لدولة، قيمة القرار تقاس بأثره وبوقته وقدرته على الإلزام.
٤-[فجوة الجدارة والمؤهلات]
يحول تقديم الولاء على الكفاءة المؤسسات إلى هياكل، ويحول الإدارة إلى مجاملات، ويحوّل الدولة إلى كلفة تشغيلية مرتفعة بلا إنتاج. هنا تتسع فجوة الخدمة، وتتآكل الثقة، وتهاجر الخبرات.
٥-[فجوة العلاقة بين السياسي والمعرفة]
ان الاستشارة الموسمية تخلق قراراً بلا بدائل، وتدفع القيادة إلى الحدس، وتستبدل العلم بالانطباع.
تحتاج الدولة الحديثة وسيط معرفة يصوغ الخيارات، يقيس الأثر، ثم يرافق التنفيذ بالمراجعة.
٦-[فجوة المخاطر والاستشراف]ان غياب (سجل مخاطر وسيناريوهات بديلة) يحول الصدمات إلى مفاجآت متكررة: {صدمة أمنية، صدمة مالية، اضطراب اجتماعي، ضغط مناخي، ثم ارتجال يزيد التعقيد}. [[الاستشراف جهاز مناعة سيادي يتجاوز فكرة الترف]].
٧-[فجوة الذاكرة المؤسسية] اذ ان التجربة غير الموثقة وغير الخاضعة لتقييم تتحول إلى دائرة تكرار. عندها يظهر الخطأ بأسماء جديدة، وتعود الكلفة ذاتها بميزانيات أكبر.
٨-[فجوة الاتصال الاستراتيجي]
تُقاسُ الدولة بقدرتها على صناعة نتائج قابلة للرؤية، فحين يتقدم الخطاب على الإنجاز، تتشكل فجوة شرعية، ويصبح المجال العام سريع الاشتعال، وتتغذى السرديات المعادية من غياب الأثر.{التداعيات السيادية… الفجوات كمخاطر دولة}
1. تآكل العقد الوطني يرى المواطن التناقض بين الوعود والواقع فينكمش الانتماء إلى فكرة الدولة.
2. تمدد الدولة الموازية يفتح التشظي المؤسسي المجال أمام شبكات نفوذ تتصرف خارج معايير الخدمة والقانون.
3. هدر الموارد وتبديد الفرص (إنفاق بلا أثر)، (مشاريع بلا جدوى)، ثم عجز عن تمويل الأولويات التي تحفظ الاستقرار.
4. هشاشة القرار السيادي حيث ان القرار المتشظي يسهل تطويعه خارجياً، وتتحول البلاد إلى ساحة اختبار للمصالح المتقاطعة.
5. توترات اجتماعية متراكمة ان التيه الممتزج بالمصالح الفئوية يطلق موجات تمرد وهياج تطرق أبواب الجميع.
6. نزف العقول والقدرات عندما تُهزم الجدارة، يغادر العقل المنتِج، وتبقى الإدارة أسيرة الحلقة الأضعف. هذه التداعيات تلتقي عند قاعدة واحدة: {أقدارنا صناعة اختياراتنا}، فحين يفسد الاختيار، تتسع كلفة الزمن، وتتراجع فرصة التعافي.
{المعالجات التأسيسية البنيوية… إعادة بناء عقل الدولة}
1. ميثاق المصلحة السيادية [[وثيقة معيارية تحدد المصلحة العليا، خطوط الدولة الحمراء، معايير القرار، وحدود التفاوض، وأولوية العام على الخاص. الميثاق يحول الخلاف من صراع أشخاص إلى منافسة برامج]].
2. هندسة قرار موحدة [[مسار قرار معلوم يبدأ بطلب سياسي مكتوب، يليه تحليل خيارات، ثم مراجعة نزاهة وكلفة ومخاطر، ثم قرار محدد الزمن، ثم تنفيذ بمؤشرات، ثم مساءلة. هندسة القرار تصنع الانضباط وتغلق بوابات الفوضى]].
3. منظومة تفكير وصناعة سياسات [[وحدة سياسات داخلية مرتبطة بشبكة مراكز بحث، تنتج بدائل، تقيس أثر، تدقق مصادر، وترافق التنفيذ بالتقييم. بهذه الآلية تتحول الخبرة إلى مؤسسة، ويتحول القرار إلى منتج معرفي قابل للاستخدام]].
4. منصة بيانات ومؤشرات سيادية [[مرصد يقيس الاقتصاد والخدمات والأمن والرأي العام والمخاطر. ما يقاس يُدار، وما يُدار يتحسن. منصة المؤشرات تمنح القيادة قدرة تصحيح مبكر]].
5. نظام جدارة للقيادات [[معايير اختيار شفافة: (كفاءة، نزاهة، سجل إنجاز، قدرة إدارة فرق). الجدارة ترفع إنتاجية الدولة وتخفض كلفة الفشل]].
6. حوكمة تضارب المصالح [[إفصاح، تدقيق، مساءلة، مع قواعد تمنع تداخل المال والنفوذ والقرار. ضبط هذه المنطقة يحرر السياسة من اقتصاد الامتيازات]].
7. جهاز مراجعة وتعلّم [[مراجعة فصلية وسنوية للسياسات والبرامج: ما تحقق، ما تعثر، ما التصحيح. من دون التعلّم تصبح الاستراتيجية نصاً يتيماً معوقاً]].
{المعالجات الآنية… كسر النزيف خلال 100 يوم}
1. غرفة قيادة سيادية للملفات العاجلة // أمن، مالية، خدمات، رأي عام، مع اجتماع أسبوعي وقرارات قابلة للقياس.
2. ثلاث أولويات حاكمة // استقرار مالي تشغيلي، تشغيل خدمات الذروة، نزاهة تعاقدات.
3. حزمة وقف النزيف // تدقيق إنفاق، إعادة توجيه الموارد إلى مشاريع أثر سريع، ضبط التعاقدات.
4. سجل مخاطر عاجل وسيناريوهات استجابة // صدمة مالية، صدمة أمنية، اضطراب اجتماعي.
5. تمكين الخبراء داخل القرار // فرق سياسات تقدم ثلاثة بدائل لكل ملف مع كلفة ومخاطر ومدد.
6. توحيد الرسالة السياسية حول معيار واحد // الدولة معيار النجاح، والخدمة معيار الشرعية.
{المعالجات الاستراتيجية… تحويل القيادة إلى مؤسسة مستدامة}
1. مدرسة قيادة سيادية || { تدريب، محاكاة أزمات، اقتصاد سياسي، تفاوض، إدارة مخاطر، اتصال استراتيجي}.
2. ثقافة مشروع || {تحويل الخطط إلى محافظ برامج، وربط القيادات بالمؤشرات}.
3. استعادة ثقة المجتمع || {شفافية نتائج، مسارات مساءلة، مشاركة خبرات، عقد اجتماعي قوامه الخدمة والعدالة}.
4. تحالفات وفق معيار المصلحة الوطنية || {تحالفات داخلية تعظم الاستقرار، وإقليمية ودولية تحمي القرار السيادي}.
5. استعادة قيمة الزمن || {تقليل الفجوة بين الوعد والتنفيذ، لأن الزمن مورد سيادي}.
الحصاد
ان [أزمة العقل القيادي] هي أُمُّ الأزمات لأنها تحدد زاوية الرؤية، ثم تصوغ القرار، ثم تمنح الدولة قدرتها على الفعل. حين يُعاد بناء هذا العقل على معيار سيادي، ومؤسسة تقيس وتراجع وتتعلم، يتحول التيه إلى بوصلة، وتتحول القوة إلى أثر، وتصبح السياسة صناعة مستقبل يليق بالدولة وبالناس.